في عالم السياسة، ثمة أنظمة تموت وهي واقفة. تبدو حية من الخارج، ترفع الشعارات، وتستعرض القوة، وتملأ الشاشات بالخطابات، لكنها في الواقع فقدت مقومات الحياة الطبيعية منذ زمن. ولعلّ النموذج الإيراني اليوم يقترب أكثر فأكثر من صورة "الزومبي" السياسي: جسد يتحرك، لكنه لا يعيش إلا عبر استنزاف الأحياء من حوله. منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، بُنيت شرعية النظام على فكرة الثورة الدائمة والمواجهة المستمرة مع "العدو". لكن الثورات التي تتحول إلى أنظمة تحتاج مع الوقت إلى إنتاج اقتصاد مزدهر، ومؤسسات مستقرة، ومستوى معيشي مقبول لمواطنيها. هنا تكمن المعضلة الإيرانية. فعلى الرغم من الثروات النفطية والغازية الهائلة، يعيش ملايين الإيرانيين…
على مدى عقود، عاش لبنان في ظل وهمٍ سياسي كبير. فقد تعاملت الحكومات المتعاقبة، والقيادات السياسية، والوسطاء الدوليون، مع ترسانة حزب الله العسكرية على أنها مسألة لبنانية داخلية يمكن حلّها مع الوقت عبر الحوار أو التسويات أو التطور السياسي التدريجي. إلا أن الوقائع أثبتت عكس ذلك. واليوم، فيما يدخل لبنان مرحلة جديدة من المفاوضات والترتيبات الأمنية والانخراط الدولي، بات من الضروري مواجهة الحقيقة بوضوح وشجاعة. فالسؤال الأساسي الذي يواجه لبنان ليس ما إذا كان حزب الله يمتلك السلاح. السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع الجمهورية اللبنانية ممارسة سيادتها الكاملة فيما توجد على أراضيها منظمة عسكرية ترتبط استراتيجياً بقوة خارجية؟ لسنوات طويلة…
جاء الإعلان عن اتفاق السلام الجديد، الذي خيّم على أروقة البيت الأبيض، ليعكس رغبة واضحة في استبدال النزاعات العسكرية المباشرة والمطوّلة باستعراضات سياسية–دبلوماسية، يُراد لها أن تبدو قادرة على حسم الملفات العالقة. ومع توجّه الأطراف نحو توقيع هذا الاتفاق لإنهاء حالة الحرب مع إيران، تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى استدامة هذا المسار، ومستقبل التوازنات في المنطقة. ومع ذلك، فإن أي اتفاق سلام يُبنى في ظروف معقّدة كهذه، يحمل في جوهره بذور الهشاشة. فالصيغة المرتقب توقيعها في جنيف لا تمثّل تسوية نهائية وشاملة، بقدر ما تشكّل امتداداً لتهدئة مؤقتة، تهدف إلى تأمين الملاحة في مضيق هرمز ورفع الحصار البحري، مقابل فتح…