الملك عبدالله الثاني والوزير الصفدي في نيويورك… حين تتكامل القيادة مع الدبلوماسية

في زمن أصبحت فيه الكلمات السياسية كثيرة، فيما المواقف الواضحة والجريئة قليلة، توقفت أمام الحضور الأردني في الأمم المتحدة.

توقفت أمام كلمة جلالة الملك عبد الله الثاني، ومداخلة معالي وزير الخارجية الدكتور أيمن الصفدي، لأنني شعرت بأن كليهما عبّر، كلٌّ من موقعه، عن موقف يعرف المنطقة جيداً، ولا يتعامل مع أزماتها بوصفها خبراً عابراً، بل يسعى إلى إيجاد حل نهائي لها.

لكن ربما ثمة سبب شخصي جعلني أرى كلمة الملك من زاوية مختلفة؛ فالملك عبد الله الثاني، بخلفيته العسكرية والرياضية والإنسانية والسياسية، يقدم صورة القائد الذي يتحدث عن المنطقة من موقع من يعرف تفاصيلها، فيما يأتي الصفدي ليحمل هذه الرؤية إلى طاولة الدبلوماسية الدولية بلغة مباشرة وحازمة.

وما لفتني في الكلمة أنها لم تتعامل مع القضية الفلسطينية بمعزل عن محيطها. فقد تحدث الملك عن غزة والضفة الغربية، وعن سوريا ولبنان، وعن أمن الأردن ومياهه وحدوده، وعن الإرهاب والمخدرات، وعن التجارة والاقتصاد، وعن حماية المسيحيين والمقدسات الإسلامية والمسيحية، وعن الدبلوماسية والسلام.

وقد أتاحت لي زياراتي المتعددة للأردن، إلى جانب اهتمامي بالرياضة عموماً، وبعالم الراليات والسيارات خصوصاً، أن أتعرف إلى الأردن من زاوية مختلفة عن زاوية السائح العادي. ومن خلال هذه الزيارات وهذا الشغف، قرأت وتابعت المزيد عن الملك عبد الله الثاني وعن والده الراحل الملك الحسين، ورأيت صورة أخرى للملك، غير صورة السياسي التي نعرفها من الأخبار، كما زرت متحفه الشهير.

رأيت الرجل الذي ارتبط بالرياضة والسيارات والراليات، والذي عرف المنافسة والانضباط قبل أن تصبح السياسة واجهته اليومية.

فالملك عبد الله الثاني شارك بنفسه في الراليات، وسبق له أن قاد سيارة «صفر» في رالي الأردن دعماً للمتسابقين الشباب. كما تحدث، في مقابلة رسمية، عن رغبته في توفير سيارات أقل كلفة للشباب الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف سيارات الرالي.

والأجمل بالنسبة إليّ أن هذا الاهتمام لم يكن منفصلاً عن إرث والده؛ فالملك الحسين أيضاً ترك وراءه علاقة واضحة بعالم السيارات والرياضة، حتى إن متحف السيارات الملكي في عمّان يضم مجموعة من سياراته التاريخية والرياضية. وقد أطلق الملك عبد الله الثاني المتحف عام 2002 ليكون جزءاً من ذاكرة الأردن وتاريخه.

وهنا تحديداً أصبحت أرى الملك عبد الله الثاني من زاوية أحبها وأفهمها؛ فقد علمتني السيارة والراليات أن القائد لا يقود من خلف الناس، بل يعرف الطريق، ويدرك المخاطر، ويعرف متى يسرّع ومتى يخفف السرعة.

ربما لهذا السبب وصلتني كلمته بطريقة مختلفة؛ إذ رأيت فيها شيئاً من ذلك المزيج الذي عرفته من خلال متابعتي للأردن: العسكري، والرياضي، والإنسان، والقائد.

لذلك، عندما يتحدث عن الأمن والحرب والسلام، لا أشعر بأنني أمام سياسي يقرأ أرقاماً من ورقة فحسب، بل أمام شخص كفؤ للغاية، مرّ بتجارب مختلفة جعلته يرى المنطقة من أكثر من زاوية: عسكري يعرف معنى الأمن؛ ورياضي يعرف معنى الانضباط والمنافسة؛ وقائد يعرف ثقل القرار؛ ودبلوماسي يعرف كيف يحوّل الموقف إلى رسالة دولية.

وهنا تأتي أيضاً مداخلة معالي وزير الخارجية الدكتور أيمن الصفدي لتكمل الصورة.

فالصفدي لم يكتفِ بتكرار الحديث عن السلام وحل الدولتين، بل وضع السؤال الأصعب أمام المجتمع الدولي: إذا كان العالم يؤمن فعلاً بحل الدولتين، فما الذي سيفعله لحماية هذا الحل من السياسات والإجراءات التي تقوّضه؟

وهنا شعرت بأن قوة الحضور الأردني لم تكن في ارتفاع الصوت، بل في وضوح الرسالة: ملك يتحدث من موقع القيادة والخبرة، ووزير خارجية يعرف كيف ينقل هذه الرؤية إلى لغة دبلوماسية مباشرة.

وأشار الصفدي إلى أن السنوات أثبتت أن تأجيل الحل لا يلغي المشكلة، بل يجعلها أكثر تعقيداً. وكما قال الملك في كلمته، تعيش المنطقة أزمة قبل أن تنتهي الأزمة السابقة، وما يحدث في بلد قد لا يبقى داخل حدوده.

وهذا ما جعلني أتوقف طويلاً أمام المشهد، ثم عدت، بطبيعة الحال، إلى لبنان؛ فوطننا ليس بعيداً عن هذه الجغرافيا، بل يقع في فوهة النار.

نحن على تخوم الصراع، وقد عشنا الحرب الأهلية والاحتلالات والاجتياحات وحروب الجنوب والانقسامات، ودفع اللبنانيون أثماناً باهظة لصراعات لم تكن قراراتهم وحدهم دائماً.

ولهذا، وأنا أستمع إلى الصوت الأردني، سألت نفسي: لماذا لا يكون للبنان أيضاً صوت واضح بهذه القوة على المنابر الدولية؟

ليس المطلوب أن يقلّد لبنان الأردن، ولا أن يتحدث بلسان غيره، إنما المطلوب فقط أن تكون له كلمته؛ كلمة تعبّر عن سيادته، وعن وجع شعبه، وعن رفضه أن يبقى عالقاً في صراع لا نهاية له.

فإلى متى يبقى الشرق الأوسط أسيراً لفكرة الصراع الأبدي؟

وإلى متى يبقى حل الدولتين، بما يعنيه من دولتين تعيشان بأمن وسيادة، وتتمتعان بالحقوق، مشروعاً مؤجلاً من جيل إلى جيل؟

أظن أننا جميعاً لا نبحث عن انتصار طرف على طرف، بل نبحث عن اليوم الذي يصبح فيه انتصار الإنسان على الحرب هو الانتصار الحقيقي.

وهنا أجد شيئاً يجمع الأردن ولبنان: بلدان صغيران في منطقة كبيرة، لكنهما يحملان تاريخاً أكبر من مساحتهما. بلدان عرفا معنى الجغرافيا الصعبة، والحدود المشتعلة، واللاجئين، والحروب التي تتجاوز أحياناً قدرة الدولة على التحكم في جميع نتائجها.

ولهذا تمنيت، وأنا أستمع إلى كلمة الملك عبد الله الثاني ومداخلة الصفدي، لو كان للبنان ولمسؤوليه أيضاً خطاب بهذه الروح: واضح، هادئ، قوي، يعرف ماذا يريد، والأهم أنه يعرف ماذا لا يريد، ويسمي الأشياء بأسمائها.

لا نريد حرباً دائمة. لا نريد أن يرث أبناؤنا ما ورثناه نحن. ولا نريد أن يصبح الصراع قدراً لا يمكن تغييره.

وفي النهاية، نقول للأردن: شكراً على كلمة وصلت.

شكراً لجلالة الملك عبد الله الثاني على خطاب جعلني أتوقف وأفكر، لا بوصفي لبنانياً يتابع قضايا المنطقة فحسب، بل بوصفـي أيضاً شخصاً عرف الأردن من خلال زياراته، وأحب أهله وكرمهم وأصالتهم، وتابع هذا البلد من زاوية يحبها كثيراً: الرياضة والراليات والسيارات.

أما معالي الوزير الصفدي، فكانت مداخلته بالنسبة إليّ تذكيراً بأن الدبلوماسية لا تعني دائماً الكلمات الناعمة؛ فنبرة الصوت، وحركات الجسد، والثبات على الموقف، والتناغم بين القادة، كلها من مقومات النجاح. وأحياناً تكون الدبلوماسية أن تقول للعالم بوضوح: إذا كنتم تريدون السلام، فعليكم أن تفعلوا شيئاً من أجله.

وأتمنى أن يأتي يوم يكون فيه للبنان أيضاً هذا الصوت؛ صوت لا ينتظر انتهاء الحرب ليطالب بالسلام، بل يعمل من أجل السلام قبل أن تبدأ الحرب التالية.

هذه كلمات من نزار، لبناني أحب الأردن كما أحب لبنان، ويؤمن بأن بين البلدين أكثر من الجغرافيا والتاريخ؛ فهناك إنسان عربي يريد أن يعيش بكرامة، ودولة تحميه، ومستقبل لا تُورّث فيه الحروب لأبنائنا.

وربما تكون هذه هي العبارة التي نحتاج إلى سماعها أكثر: «لسنا بحاجة إلى صراع أبدي… نحن بحاجة إلى نهاية عادلة للصراع».

مقالات الكاتب

نزار أبو علي

ناشط اجتماعي وعضو مؤسس في عدة جمعيات تُعنى بالشأن العام والخدمة المجتمعية؛ عضو لقاء حوار الأديان؛ مشارك في تنظيم المعارض التجارية والنشاطات البلدية؛ مدير لعدد من الندوات ومنخرط بعدة مجموعات تواصل اجتماعي تُناقش قضايا اجتماعية وسياسية ورياضية.