أكتوبر الوردي: عندما يتحول الألم إلى رسالة أمل

كنّا نعتقد أن المرض بعيد عنا، وأنه يحدث دائماً للآخرين، إلى أن اكتشفنا فجأة أنه أقرب مما نعتقد، وأن الحياة قد تضعنا أمام اختبار لم نكن مستعدّين له. في لحظة واحدة، يتحول المرض من خبر نسمعه إلى واقع نعيشه. تتغير نظرتنا إلى الحياة، إلى الوقت، وإلى قيمة اللحظات التي نقضيها مع من نحب.

كان سرطان الثدي بالنسبة لي أكثر من مرض. كان تجربة إنسانية عشتها مع إنسانة أحببتها، تجربة حملت الكثير من الألم، لكنها حملت أيضاً الكثير من الشجاعة والحب. لربما كان ذلك أصعب ألم مررنا به، ولربما كانت تلك أشجع معركة خضناها في أصعب الظروف.

هناك لحظات يقف فيها الإنسان أمام مرض ينهش الجسد ويستنزف قوته، حيث تصبح الكلمات عاجزة، فلا يبقى سوى الحضور إلى جانب من نحب، والصلاة التي تصبح اللغة الوحيدة عندما يعجز الكلام. نرى الجسد يتعب يوماً بعد يوم، لكننا نكتشف أن هناك قوة أخرى لا يمكن للمرض أن يصل إليها: قوة الروح، وقوة الحب، وقوة الإرادة.

واجهنا الخوف والتعب والقلق، لكننا لم نسمح لليأس أن ينتصر. تعلمت من هذه التجربة أن الإحباط ليس قدراً، وأن الإنسان، حتى عندما لا يملك تغيير الظروف، يملك دائماً طريقة مواجهتها.

كما تعلمت أن المرض لا يختصر الإنسان. فالمريض ليس رقماً في إحصائية، ولا حالة تختصرها التقارير الطبية، ولا شخصاً يحتاج إلى نظرات الشفقة، بل إنسان كامل له كرامته وأحلامه ومكانته، ويحتاج قبل كل شيء إلى الاحترام والمحبة والدعم. فالسرطان ليس ذلك المرض الذي نخاف حتى من ذكر اسمه، بل هو مرض نواجهه بالوعي، بالكشف المبكر، بالعلم، وبالتضامن الإنساني.

وعلينا أن ننتبه إلى كلماتنا، لأن بعض العبارات التي نقولها بحسن نية قد تترك أثراً مؤلماً في قلب المريض وعائلته. ففي مواجهة المرض، تصبح الكلمة مسؤولية، وقد تكون أحياناً مصدر قوة أو سبباً في زيادة الألم. ما يحتاجه الإنسان في هذه الرحلة هو الصدق، والحضور، والشعور بأن هناك من يرافقه ويقول له: أنا معك. ومريض السرطان عندما يخسر حياته لا يكون قد خسر معركته. فبعض الانتصارات لا تقاس فقط بالشفاء، بل بالشجاعة التي واجه بها الإنسان أيامه، وبالحب الذي تركه وراءه. لقد علمتني هذه التجربة أن المعاني التي نعطيها للحياة لا تختصر بطولها أو بقصرها. فقيمة الإنسان لا تقاس فقط بعدد السنوات التي يعيشها، بل بما يملأ هذه السنوات من حب، وبالأثر الذي يتركه في قلوب الآخرين.

إلى كل امرأة تواجه سرطان الثدي: أنتِ لستِ مرضاً ولا رقماً ولا دواءً ولا ضيف إنتظار صامت، بل إنسانة كاملة تستحقين الدعم.

وإلى كل رجل يقف إلى جانب امرأة في هذه الرحلة: وجودك هو تعبير عن الحب الحقيقي والشراكة في مواجهة الحياة.

وإلى كل مريض يرقد اليوم في مستشفى ويواجه الألم بصمت: هذه رسالة أمل، أنت لست وحدك.

بعد رحلة طويلة من مواجهة الألم الداخلي، وبعد وقت احتجت فيه إلى الصمت والتأمل، تجرأت اليوم على كتابة هذه الكلمات. لم تكن الكتابة سهلة، لكنها كانت خطوة أخرى في طريق الشجاعة؛ شجاعة مواجهة الذكرى، ومشاركة التجربة، وتحويل الألم إلى رسالة تساعد الآخرين.

لنجعل من هذه التجارب الصعبة سبباً لبناء مجتمع أكثر تعاطفاً، مجتمع لا يترك الإنسان وحيداً عندما يحتاج إلى الدعم، ولا يحوّل المرض إلى وصمة. مجتمع يتمرد على اللامبالاة، ويبني دولة حاضنة لكل مريض وذي حاجة؛ دولة ترى في الإنسان قيمة لا تتغير بسبب مرض أو ضعف أو ظرف.

لم يكن انتصارنا في غياب الألم، بل في قدرتنا على تحويله إلى حب ورسالة. فبعض الجراح لا تُغلق، لكنها تصبح نوراً يساعد الآخرين على الطريق. في أكتوبر الوردي، لنجعل من الألم وعياً، ومن التجربة أملاً، ومن الحب قوة تتجاوز الغياب.

مقالات الكاتب

جان نمّور

محامٍ لبناني وناشط سياسي، يتمتع بخبرة واسعة في مجال تسوية النزاعات والتحكيم. حاصل على ديبلوم دراسات متخصّصة في المنازعات والتحكيم والطرق البديلة لحلّ النزاعات، ومتخصّص في مجال الوساطة في جامعة القديس يوسف. يعمل كمحكّم معتمد في عدد من القضايا القانونية.

يشغل أيضاً منصب مستشار في السياسات العامة والتشريع، وقد ساهم في إعداد وصياغة عدد من القوانين اللبنانية. له العديد من الدراسات القانونية المنشورة، ويُعرف بمساهماته الفاعلة في تطوير الإطار التشريعي وتعزيز آليات العدالة البديلة في لبنان.