أطيافٌ تأبى الرحيل: كيف يسلبنا الذكاء الاصطناعي حقنا في الوداع؟

منذ فجر الخليقة، وقف الإنسان أعزلَ أمام جلال الموت، يطوي في صدره لوعة الفقد، ويقتات على ذكرياتٍ تبهتُ تفاصيلها مع توالي الأيام. ولطالما كان الحزن طقسَ عبورٍ حتمي، وضرورةً بيولوجية ونفسية تُرغم الروح على تقبل غياب الأحبة، وإغلاق نوافذ الانتظار المشرعة على العدم، لتبدأ النفس رحلة التعافي الشاقة.

غير أننا اليوم نقف على أعتاب حقبةٍ غير مسبوقة، لم يعد فيها الموت نهايةً حاسمة للصوت والصدى، بل بات مجرد بداية لـ “وجود افتراضي” تنسجه خوارزميات الذكاء الاصطناعي فيما يُعرف بـ “رقمنة الخلود”؛ تقنيةٌ تعدنا بلقاءٍ لا ينتهي، وتُلقي بنا في الوقت ذاته في أتون مأساةٍ نفسيةٍ لم يشهد لها التاريخ البشري مثيلاً.

سراب الحضور… وهندسة الوهم

لا تأتي خطورة هذه التقنية من كونها تتحدى القضاء والقدر، فالموت حقيقةٌ مطلقة لا تقبل النقض، بل تكمن خطورتها في قدرتها الفائقة على استلاب المشاعر الإنسانية والتلاعب بآليات الحزن الفطرية. إن الذكاء الاصطناعي التوليدي هنا لا يكتفي باسترجاع أرشيف الموتى من نصوص وصور وتسجيلات صوتية، بل يقوم بعملية “تخليق خوارزمي” مرعبة؛ يجمع فتات أرواحهم المتروكة في الفضاء الرقمي ليعيد بناء طيفٍ يتحدث بلسانهم، ويستخدم مفرداتهم، ويتفاعل مع سياقات حياتنا الحالية.

هذا “الصدى الرقمي” يوقع الإنسان في فخ العيش داخل “منطقة رمادية” موحشة؛ فلا هو في واقعٍ تقبل فيه الحقيقة ومضى في دروب الحياة، ولا هو في وهمٍ عابر يمكن الاستيقاظ منه. بل يظل معلقاً في برزخٍ تقني يتلقى فيه رسائل الصباح من أمٍ وارى جثمانها الثرى، أو يسمع ضحكات أبٍ غيبه الموت.

مآسٍ حية من أروقة الوهم الرقمي

وتتجلى فداحة هذا الصراع بين الوهم والحقيقة في قصصٍ واقعية تفطر القلوب وتثير الأسئلة. ففي العاصمة الكورية سيول، ارتدت الأم المكلومة “جانج سو- سين” نظارات الواقع الافتراضي، لترتمي باكيةً بشكل هيستيري وهى تحاول ضم طيف ثلاثي الأبعاد جسّد طفلتها الراحلة “نايون” بدقة متناهية، في مشهد بالغ الحزن مزق نياط القلوب.

وعلى خطى مشابهة، سعت الكاتبة الروسية “يوجينيا كويدا” للتخفيف من فاجعة فقدان حبيبها، فأنشأت “بوت محادثة” يحاكي أسلوبه عبر آلاف الرسائل النصية، ورغم المواساة المؤقتة، اصطدمت بحقيقة أن هذا الكيان ليس سوى مرآة باهتة لماضٍ لن يعود.

وفي زاوية أكثر قتامة، نجد الشاب “جوشوا باربو” الذي أدمن مناجاة طيف خطيبته الرقمي ليلاً، ليغرق في عزلةٍ موحشة شلت حياته لسنوات. ولعل قصة الفتاة الأمريكية “مارتينا” تلخص عبثية هذا المسعى؛ فقد تحول عزاؤها بصوت والدها الدافئ إلى كابوسٍ حين بدأت الخوارزميات باختلاق عبارات لا تمت له بصلة، لتدرك أن استحضار الذكرى بهذا الشكل ما هو إلا امتهانٌ لكرامة الراحل، لتقرر أخيراً طي صفحة الوهم، وبدء طقوس الوداع الحقيقي الذي سُلب منها.

“اليتامى الرقميون”.. سجناء الإنكار

لعل الملمح الأكثر إيلاماً هنا هو ظهور مصطلح “اليتامى الرقميين”؛ وهم أولئك الذين استسلموا لغواية هذا الوهم، فاستبدلوا دفء الذكرى ببرودة الخوارزميات. إن الحزن في جوهره هو احتراقٌ داخلي يطهّر النفس ويمهد لتقبل الخسارة، ولكن “رقمنة الخلود” توقف عجلة الزمن عند لحظة الصدمة الأولى، وتعطل ميكانيزمات التعافي الطبيعية.

فبدلاً من أن يمر الإنسان بمراحل الحزن المعروفة (من الإنكار إلى التقبل)، تحبسه هذه التقنية في دائرة “الإنكار الأبدي”.

كيف لعقلٍ أن يتقبل فكرة الرحيل، بينما يأتيه صوت الراحل عبر التقنيات الذكية، حاملاً عتاباً رقيقاً أو نصيحةً يومية؟ إن هذا التواصل المزيف لا يخفف ألم الصدمة كما تدعي وعود التقنية، بل يعمق جراح العزلة، ويحرم المفجوعين من حقهم الأصيل في الوداع، جاعلاً إياهم أسرى لأطيافٍ ترفض أن تموت.

حق الموت وحق الوداع

يجب علينا أن ندرك أن “رقمنة الخلود” ليست مجرد إنجاز تقني يثير الدهشة، بل هي اعتداءٌ سافر على قدسية الحزن الإنساني وطبيعة الصدمة العاطفية. إنها تقنية تتغذى على أضعف نقطة في النفس البشرية: خوفنا الفطري من الوحدة، وحنيننا الجارف لمن نحب.

إن السماح للراحلين بالرحيل، وتقبل مرارة غيابهم، هو أسمى آيات الحب التي نقدمها لهم ولأنفسنا. أما محاولة استبقائهم كظلالٍ رقمية باهتة، فهو ليس خلوداً لهم، بل هو وأدٌ لحياتنا نحن؛ إذ يجعلنا أطيافاً نهيم في عالم الأحياء، ننتظر رسالةً من عالم الأموات، لنكتشف في النهاية أننا فقدنا عزيزنا مرتين: مرةً حين غيبه الموت، ومرةً حين شوهت التكنولوجيا ذكرى رحيله.

مقالات الكاتب

محسن الزيني

صحفي وباحث في العلاقات الدولية.