ذات يوم، قال آدم ريس، عالِم الفيزياء الفلكية الحائز على جائزة نوبل: “إن الطاقة المظلمة ظاهرة غريبة للغاية، لكنني أجد من المنطقي أنها لم تُكتشف طوال هذه المدة… فهي لا تؤثر في حياتنا اليومية، ولا حتى داخل نظامنا الشمسي”. الغرابة من ميّزات هذا الكون. لكن ماذا لو لم تكن الطاقة تلك مطابِقة للتعريف السائد أو غير موجودة أساسًا؟ لنتعمّق أكثر.
نبدأ مع دراسة حديثة، قادها باحثون من معهد تاتا للأبحاث الأساسية في مومباي، بالتعاون مع البروفيسور سوبر ساركار من جامعة أكسفورد. طرحت الدراسة تحديًا لإحدى الأفكار المحورية ذات الصلة بالطاقة المظلمة؛ تمدُّد الكون بمعدل متسارع بفعل الأخيرة (الذي تشكل ما يفوق 68% منه) وارتباطها بالفراغ الكمومي.
الدراسة، التي وردت في مجلة “Monthly Notices of the Royal Astronomical Society”، أعادت النظر في مجموعة بيانات “Pantheon+”، التي تضم مشاهدات لأكثر من 1700 مستعر أعظم من النوع “Ia”. والأخيرة نجوم متفجرة اعتمد علماء الفلك عليها على مدى أكثر من ربع قرن لتتبّع كيفية تمدُّد الكون – واكتشاف التسارع الكوني – عبر الزمن.
أخذ الباحثون في الاعتبار تصحيحًا طُرح مؤخرًا يتعلق بأعمار النجوم التي تنتهي بانفجارها على هيئة مستعرات عظمى من النوع “Ia”. كما بحثوا في ما إذا كان التسارع الظاهري يبدو متماثلًا في جميع الاتجاهات، وفقًا لما يفترضه النموذج الكوني القياسي.
وبعد تطبيق التصحيح ذاك، وجد الفريق أن المشاهدات لم تعد ترجّح نموذجًا للكون يشهد تسارعًا منتظمًا. لا بل بدلًا من ذلك، أشارت نتائج التحليل إلى أن التمدّد الكوني قد يكون آخذًا في التباطؤ. كما لوحظ أن التسارع المستنتج يرتبط باتجاه محدد، يتوافق أساسًا مع حركتنا المحلية، بدلًا من أن يكون تأثيرًا موحدًا يمكن عزوه إلى الطاقة المظلمة.
بيد أن هذا الاستنتاج (على أهميته) لا يزال موضع خلاف. والتباين يحيلنا إلى دراسة أخرى أجراها باحثون من معهد علوم الكونيات بجامعة برشلونة، نُشرت في مجلة “Nature Astronomy” وقدّمت إطارًا جديدًا يُعرف باسم “CIGaRS” يمكن أن يُحسّن بصورة ملموسة طرق قياس المسافات الكونية ودراسة الطاقة المظلمة.
يعالج إطار CIGaRS تحدّي تأثُّر السطوع المرصود للمستعرات العظمى من النوع “Ia” بالمجرات التي تحدث فيها الانفجارات. وهي اختلافات تحدّ من دقة قياس المسافات ومن موثوقية الدراسات الكونية. وذلك من خلال دمج نموذج يشمل انفجارات المستعرات المذكورة، والمجرات المضيفة لها، والغبار الذي يؤثر في ضوئها، والتغيرات في معدلات حدوث هذه الانفجارات عبر تاريخ الكون، فضلًا عن تمدُّده – أي الكون – نفسه.
لجعل النمذجة قابلة للتطبيق عمليًا، استخدم الباحثون أسلوبًا يُعرف باسم الاستدلال القائم على المحاكاة، يجمع بين المستند منها إلى قوانين الفيزياء والذكاء الاصطناعي. وفي السياق، تعلّمت شبكة عصبية كيفية ارتباط المشاهدات الناتجة عن المحاكاة بالخصائص الفيزيائية التي أنتجتها، ما أتاح مقارنة المشاهدات الفلكية الحقيقية بالمحاكاة، وتحديد المعلمات الأساسية الأكثر احتمالًا لتفسيرها.
كان من أبرز نتائج الدراسة قدرة الإطار على تقدير الانزياح نحو الأحمر للمجرات بدقة عالية اعتمادًا على بيانات التصوير وحدها، وبدرجة من الدقة تضاهي القياسات الطيفية، من دون الحاجة إلى الحصول على أطياف تفصيلية. وهو ما من شأنه، وفق تقدير الباحثين، أن يُحسّن القيود الكونية بما يصل إلى أربعة أضعاف، مقارنة بالتقنيات التقليدية التي تعتمد على عينات محدودة نسبيًا من المستعرات العظمى المرصودة طيفيًا.
فما اللافت هنا؟ نعلم أن ظاهرة الانزياح تلك تتمثل في زيادة الطول الموجي للضوء المنبعث من المجرات البعيدة وتحوّله نحو الطرف الأحمر من الطيف الكهرومغناطيسي، كون المجرات تبتعد عنا أو نتيجة تمدُّد نسيج الزمكان ذاته. لذا، تكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة مع توقُّع إجراء مرصد “فيرا سي. روبين” مسح شامل للسماء على مدى عشر سنوات واكتشاف عدد غير مسبوق من المستعرات العظمى – مع ما لها من وزن لناحية فهم تمدُّد الكون – قد يصل إلى ملايين الأجرام المرشحة.
تحدّ آخر للتفسير السائد للتسارع الكوني أظهرته دراسة جديدة صدرت في مجلة “Proceedings of the Royal Society A”. إذ رأى باحثون من جامعة كاليفورنيا في ديفيس أن وجود عدم استقرار جوهري في النموذج الكوني القياسي قد يعني أن التسارع ذاك ينشأ بصورة طبيعية من معادلات أينشتاين، بما قد يلغي الحاجة إلى افتراض وجود الطاقة المظلمة من أصلها. وهذا ليس بقليل الدلالات.
فقد درس الفريق معادلات أينشتاين–أويلر، التي تجمع بين نظرية النسبية العامة والمعادلات التي تصف سلوك الموائع. وأضاءت نتائج التحليل على عدم استقرار الزمكانات الفريدمانية – التي تشكل أساس النماذج التقليدية للتمدّد الكوني – أمام بعض الاضطرابات على المقاييس المكانية الكبيرة.
وبحسب الفريق البحثي، فإن عدم استقرار جميع الزمكانات الفريدمانية أمام التمدّد المتسارع يشير إلى تفسير أبسط وأكثر طبيعية لتسارُع الكون من الطاقة المظلمة. وكي نكون أكثر تحديدًا، اعتبر الفريق أن هذا النوع من عدم الاستقرار قد يخرج بتفسير للتسارع الكوني من دون إضافة ثابت كوني إلى المعادلات (إشارة هنا إلى ثابت “لامدا” الذي أدرجه أينشتاين عام 1917 في معادلات النسبية العامة).
مع عدم التقليل من شأن التفسير المطروح، تمثّل هذه النتائج تحديًا نظريًا لعلم الكونيات القياسي أكثر منه دليلًا رصديًا يثبت عدم الحاجة إلى الطاقة المظلمة. لكن في جميع الأحوال، إذا ما أخذنا الدراسات الثلاث مجتمعةً، يظل فهم الطاقة تلك عنصرًا محوريًا في سعينا الدؤوب لكشف أسرار الكون. وهو سعي يؤمل أن يرفده الجيل الجديد من المراصد الفلكية والتطورات في مجال الذكاء الاصطناعي بالقدرة على رفع مستوى الدقة والتعقيد البحثيّين إلى حدّ عمليّ لم يكن ممكنًا في السابق.
وإلى ذلك الحين، ليس بوسعنا سوى مشاطرة آدم ريس صفة “الغرابة” التي أسبغها على الطاقة المظلمة. وهي غرابة تكتسي ما نعلمه ونجهله عن تلك القوة الغامضة سواء بسواء.
المراجع:
- https://academic.oup.com/mnras/article/549/3/stag844/8701424
- https://www.nature.com/articles/s41550-026-02842-5
- https://royalsocietypublishing.org/rspa/article/482/2338/20250912/481920/The-instability-of-critical-and-underdense

روني عبد النور
مجاز في الفيزياء والمعلوماتية ويعمل في مجال الاستشارات الإدارية. له مساهمات سابقة وحالية في الكتابة والترجمة والتحرير.
