انتخابات الدوما الروسي 2026: «روسيا الموحدة» تعزز حضورها… وبوتين يخرج بقاعدة سياسية وبرلمانية واسعة

أظهرت النتائج الأولية لانتخابات مجلس الدوما الروسي لعام 2026 استمرار تصدّر حزب «روسيا الموحدة» المشهد البرلماني، بفارق واسع عن بقية الأحزاب، مع احتفاظه بأغلبية دستورية تتجاوز ثلثي مقاعد المجلس. وفي المقابل، حافظ الحزب الشيوعي لروسيا الاتحادية على موقعه بوصفه القوة الثانية في البلاد، لكنه سجّل تراجعاً ملحوظاً مقارنة بانتخابات عام 2021.

وبحسب النتائج المنشورة بعد فرز 97.64 في المئة من محاضر مراكز الاقتراع، حصل حزب بوتين، «روسيا الموحدة»، على 57.97 في المئة من أصوات القوائم الحزبية، فيما حصل الحزب الشيوعي على 13.65 في المئة، والحزب الليبرالي الديمقراطي على 8.96 في المئة، وحزب «الناس الجدد – نوفيي ليودي» على 7.90 في المئة، و«روسيا العادلة» على 5.13 في المئة.

وتكتسب نتيجة «روسيا العادلة» أهمية خاصة، إذ ظلّ الحزب، خلال المراحل الأولى من الفرز، قريباً للغاية من العتبة القانونية البالغة 5 في المئة، قبل أن تُظهر النتائج اللاحقة تجاوزه لها. وهذا ما يفسّر الاختلافات المحدودة بين الأرقام التي نشرتها وسائل الإعلام الروسية خلال عملية الفرز.

ولا يمكن فهم التكوين النهائي لمجلس الدوما من خلال نسب التصويت للقوائم وحدها، لأن النظام الانتخابي الروسي مختلط. فمن أصل 450 مقعداً، يُنتخب 225 نائباً عبر القوائم الحزبية، وفق نظام التمثيل النسبي، فيما يُنتخب 225 نائباً آخرون بصورة مباشرة في الدوائر ذات المقعد الواحد.

وقد منح هذا النظام حزب «روسيا الموحدة» أفضلية إضافية كبيرة. فبحسب النتائج الأولية، فاز مرشحو الحزب في 208 دوائر فردية. كما أظهرت التقديرات الأولية لتوزيع المقاعد حصول الحزب على 355 مقعداً من أصل 450، ما يضعه فوق عتبة الـ300 مقعد اللازمة لامتلاك أغلبية الثلثين داخل مجلس الدوما بفارق كبير.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية تاريخية داخل الحزب نفسه، إذ تشير التقديرات الأولية إلى أن الكتلة الجديدة لحزب «روسيا الموحدة» ستكون الأكبر في تاريخه، متجاوزةً الرقم الذي حققه عقب انتخابات عام 2016.

الشيوعيون: القوة الثانية التي أصبحت أبعد عن «روسيا الموحدة»

أما الحزب الشيوعي لروسيا الاتحادية، فتحمل نتيجته مفارقة سياسية واضحة. فقد حافظ على موقعه باعتباره ثاني أكبر حزب في البلاد من حيث أصوات القوائم، لكنه فقد جزءاً مهماً من القوة الانتخابية التي أظهرها قبل خمس سنوات.

ففي انتخابات عام 2021، حصل الحزب الشيوعي على 18.93 في المئة من أصوات القوائم، فيما انخفضت حصته، وفق النتائج الأولية لعام 2026، إلى نحو 13.6–13.8 في المئة، ما يعني خسارته أكثر من خمس نقاط مئوية.

وفي المقابل، ارتفعت حصة «روسيا الموحدة» من 49.82 في المئة في انتخابات عام 2021 إلى نحو 58 في المئة، وفق النتائج الأولية لعام 2026. وبذلك، اتّسعت الفجوة بين الحزبين من نحو 31 نقطة مئوية إلى أكثر من 44 نقطة.

وتبدو المشكلة أكبر بالنسبة إلى الشيوعيين عند النظر إلى نتائج الدوائر الفردية. ففي الوقت الذي كان فيه «روسيا الموحدة» متجهاً إلى الفوز في 208 دوائر، كان مرشحو الحزب الشيوعي يتقدمون في عدد محدود جداً منها.

وهذا يعني أن الشيوعيين احتفظوا بقاعدة انتخابية وطنية مهمة، لكن قدرتهم على تحويل هذه القاعدة إلى انتصارات مباشرة في الدوائر الفردية بقيت محدودة للغاية مقارنةً بالحزب الحاكم.

لكن لا يمكن اختزال الحزب الشيوعي في مفهوم المعارضة الكاملة لبوتين. فهو ينتقد الحكومة و«روسيا الموحدة» في قضايا اجتماعية واقتصادية وداخلية عديدة، لكنه تبنّى، في ملفات استراتيجية أخرى، ولا سيما تلك المتعلقة بالسياسة الخارجية والحرب ومواجهة الغرب، مواقف لم تتعارض، في مناسبات عديدة، بصورة جذرية مع الخط العام للدولة الروسية.

ومن هنا، فإن تراجع الحزب الشيوعي لا يعني بالضرورة تراجع القوى المؤيدة لاستمرار الحرب، بل يعني، بصورة أدق، انخفاض قدرة الحزب على ممارسة ضغط برلماني مستقل على «روسيا الموحدة» والسلطة التنفيذية، من أجل تبنّي مواقف أكثر راديكالية.

ماذا تعني النتائج بالنسبة إلى بوتين؟

على الرغم من أن انتخابات أيلول/سبتمبر 2026 كانت انتخابات تشريعية وليست رئاسية، فإن نتائجها تحمل دلالة مباشرة بالنسبة إلى موقع الرئيس فلاديمير بوتين داخل النظام السياسي الروسي.

ذلك أن حزب بوتين، «روسيا الموحدة»، لا يزال الحزب المهيمن على البرلمان والداعم للرئيس. ولذلك، فإن حصوله على نحو 355 مقعداً يعني أن السلطة التنفيذية ستتعامل مع مجلس دوما تتمتع داخله القوى المؤيدة للخط السياسي العام للكرملين بأغلبية واسعة.

لكن من الضروري التمييز بين التفويض البرلماني والسياسي والتفويض الرئاسي المباشر. فالروس لم يصوّتوا في هذه الانتخابات على موقع الرئيس، ولذلك لا يمكن التعامل مع النسبة التي حصل عليها «روسيا الموحدة» وكأنها تعادل آلياً نسبة التأييد الشخصي للرئيس، وهي نسبة آخذة في الارتفاع، وإن بوتيرة بطيئة.

ومع ذلك، يستطيع الكرملين الاستناد سياسياً إلى النتيجة، باعتبارها مؤشراً إلى استمرار وجود قاعدة انتخابية كبيرة للقوى المؤيدة للسلطة، في ظروف استثنائية مرتبطة بالحرب والعقوبات الغربية والمواجهة المتصاعدة مع أوكرانيا والغرب.

وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية، لأن بوتين نفسه وضع الانتخابات، قبل إجرائها، في إطار خطاب الوحدة الوطنية. فقد دعا المواطنين إلى المشاركة، وربط التصويت بإظهار تماسك المجتمع الروسي ودعم البلاد في ظروف الحرب.

وبهذا المعنى، قد تمنح نتائج هذه الانتخابات بوتين، إلى حدّ كبير، تفويضاً إزاء كل قرار سياسي وعسكري محتمل، كما تمنحه قاعدة برلمانية وسياسية أوسع لمواصلة النهج الذي تتبعه الدولة.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى نتائج انتخابات مجلس الدوما لعام 2026 باعتبارها قد منحت فلاديمير بوتين، إلى حدّ كبير، تفويضاً سياسياً ومؤسساتياً أوسع لمواصلة النهج العام الذي تتبعه الدولة الروسية، بما يشمل سياساتها الداخلية والخارجية والعسكرية. هذا أولاً.

أما ثانياً، فتعني هذه النتيجة، من الناحية المؤسسية، أن بوتين يدخل المرحلة التالية مستنداً إلى برلمان أكثر انسجاماً مع توجهات الرئاسة، في وقت تراجعت فيه القوة الانتخابية للحزب الشيوعي، ولم تظهر كتلة برلمانية قادرة على تحدي تفوق «روسيا الموحدة» أو تعطيل الاتجاه التشريعي العام للدولة.

وتزداد الدلالة السياسية للنتيجة، لأنها جاءت في ظل حرب مفتوحة ومواجهة حادة مع الغرب، وبعد أكثر من أربع سنوات من العقوبات الاقتصادية والعزلة السياسية الغربية، وفي ظل استمرار الهجمات الأوكرانية بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية، والمدعومة غربياً بصورة فاضحة.

بل إن اليوم الأخير من الانتخابات تزامن مع هجوم كبير بالطائرات المسيّرة على موسكو. وبذلك، جرت عملية الاقتراع في ظروف أمنية استثنائية. ومن وجهة نظر الكرملين، أمكن تقديم استمرار التصويت وارتفاع نسبة المشاركة وفوز الحزب الحاكم باعتبارها مؤشرات إلى تماسك مؤسسات الدولة والمجتمع، رغم الضغوط العسكرية الخارجية.

هجمات المسيّرات في يوم الانتخابات

ازدادت الرمزية السياسية للانتخابات بسبب تزامنها مع هجمات واسعة بالطائرات المسيّرة استهدفت موسكو ومقاطعتها في اليوم الأخير من التصويت. وأكدت المصادر الروسية وقوع هجمات بأكثر من 1600 مسيّرة على مقاطعة موسكو وحدها، مع الإشارة إلى أن مساحة مقاطعة موسكو تقارب مساحة لبنان وسوريا. وفي المقابل، وصف مسؤولون روس ما جرى بأنه محاولة للتأثير في الانتخابات أو تعطيلها.

ومن هنا، يمكن القول إن إجراء الانتخابات واستمرار التصويت في ظل هذه الهجمات وفّرا للكرملين مادة سياسية يمكن استخدامها لإظهار قدرة مؤسسات الدولة على مواصلة عملها رغم الحرب.

وفي هذا السياق، تكتسب النتيجة قيمة رمزية إضافية، إذ لم يتراجع الحزب الداعم للرئيس في ظل التصعيد العسكري، بل حقق، وفق النتائج الأولية، نتيجة أفضل من تلك التي حققها في انتخابات عام 2021.

روسيا والغرب: صراع على تعريف الديمقراطية والشرعية

تظهر هنا مفارقة أوسع تتعلق بالصراع بين موسكو والعواصم الغربية حول مفهوم الديمقراطية نفسه. فالخطاب الغربي السائد ينتقد النظام السياسي الروسي بسبب هيمنة «روسيا الموحدة»، وتركيز السلطة في مؤسسة الرئاسة وفي يد الرئيس، والقيود المفروضة على جزء من المعارضة والإعلام والنشاط المناهض للحرب.

ويستند هذا الخطاب، على سبيل المثال، إلى منع معظم مرشحي حزب «يابلوكو» المناهض للحرب من خوض انتخابات مجلس الدوما. كما يرى منتقدو النظام الروسي أن وجود الانتخابات والتعددية الحزبية الرسمية لا يكفي، بمفرده، لإثبات وجود منافسة سياسية متكافئة.

لكن موسكو، في المقابل، ترفض عملياً احتكار الغرب تعريف الديمقراطية، وتقدّم نظامها السياسي باعتباره نموذجاً قائماً على السيادة الوطنية والاستقرار السياسي والتعددية العاملة ضمن الإطار الدستوري الروسي، لا وفق المعايير السياسية التي تضعها الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي.

وتمنح انتخابات عام 2026 هذا الجدل بُعداً إضافياً. لماذا؟ لأن الناخب الروسي وجد أمامه عدداً من الأحزاب، ودخلت خمسة أحزاب مجلس الدوما عبر القوائم أو الدوائر، وبقي الحزب الشيوعي القوة الثانية، فيما تنافست قوى أخرى، مثل الحزب الليبرالي الديمقراطي و«الناس الجدد» و«روسيا العادلة». وفي هذا السياق، يظهر اختلاف جذري بين الرؤيتين الغربية والروسية للقضية المطروحة بشأن الديمقراطية.

وتزداد المواجهة حول مفهوم الشرعية وضوحاً عند الانتقال إلى أوكرانيا. فالموقف الروسي يثير باستمرار مسألة انتهاء الولاية الرئاسية الأصلية لفولوديمير زيلينسكي، وعدم إجراء انتخابات رئاسية جديدة عام 2024، ويستخدم هذه المسألة للتشكيك في شرعيته السياسية. وبمعنى آخر، يعتبر هذا الموقف أن زيلينسكي فقد شرعيته بعد عدم تجديد التفويض الشعبي المباشر له إثر انتهاء ولايته.

وبالتالي، فإن التقدير الروسي القائل إن زيلينسكي أصبح رئيساً غير شرعي دستورياً بمجرد انقضاء السنوات الخمس يُعدّ، وفق هذه الرؤية، تقديراً بالغ الدقة، حتى بالاستناد إلى النص الحرفي للدستور الأوكراني، الذي جرى تعديله بما يسمح باستمرار زيلينسكي حاكماً لأوكرانيا.

وتنص المادة 108 من الدستور الأوكراني على أن: «رئيس أوكرانيا يمارس صلاحياته إلى أن يتولى رئيس أوكرانيا المنتخب حديثاً منصبه». وبالتالي، فإن انتهاء مدة السنوات الخمس يؤدي تلقائياً، وفق هذا النص، إلى فراغ في منصب الرئاسة.

والأهم من ذلك أن تمديد الأحكام العرفية ليس إجراءً يستطيع زيلينسكي اتخاذه منفرداً للحفاظ على منصبه. صحيح أنه أصدر، في تموز/يوليو 2026، على سبيل المثال، مرسوماً مدّد بموجبه الأحكام العرفية، لكن البرلمان الأوكراني، أي «الرادا العليا»، وافق عليه بموجب القانون الرقم 4928-IX، المؤرخ في 14 تموز/يوليو 2026، استناداً إلى الدستور الأوكراني وقانون النظام القانوني للأحكام العرفية.

ويأتي ذلك مع التأكيد أن «الرادا العليا» لا تضم قوى معارضة لزيلينسكي بالمعنى الغربي للمعارضة؛ فإما أن يكون قادتها في السجن، وإما أن تكون أحزابها محظورة، وإما أن تكون قد أُبعدت إلى خارج البلاد.

والأخطر أن القادة الغربيين، وفق أطروحاتهم المتعلقة بالديمقراطية، يعتبرون استمرار المؤسسات الأوكرانية في ظل الأحكام العرفية متوافقاً مع الضرورات التي تفرضها الحرب، فيما يوجّهون انتقادات شديدة إلى نوعية المنافسة الانتخابية داخل روسيا في ظل الحرب نفسها.

ومن المشروع أكاديمياً التدقيق في مدى اتساق هذه المعايير. فلماذا يُعطى وزن كبير للاستمرارية الدستورية والمؤسساتية في أوكرانيا، فيما لا يُنظر إلى مجرد إجراء انتخابات تعددية في روسيا باعتباره دليلاً كافياً على الديمقراطية؟

ماذا تعني نتائج الانتخابات بالنسبة إلى «العملية العسكرية الخاصة»؟

يظهر التأثير الأكثر مباشرة في البرلمان. فنتائج الانتخابات لم تفرز أغلبية تستطيع إجبار السلطة التنفيذية على تغيير استراتيجيتها العسكرية. بل حدث العكس، إذ توسعت كتلة الحزب المؤيد للرئيس.

وهذا يعني أن الكرملين بات يمتلك قاعدة تشريعية واسعة لإقرار الموازنات العسكرية، وتمويل الصناعات الدفاعية، واعتماد التشريعات المتعلقة بالقوات المسلحة، ودعم العسكريين وعائلاتهم والمحاربين القدامى، فضلاً عن غيرها من القضايا المرتبطة بإدارة دولة في ظل حرب طويلة.

وفي الوقت نفسه، تثبت هذه النتيجة، بما لا يدع مجالاً للشك، أن الناخبين منحوا بوتين تفويضاً لمواصلة العمليات العسكرية حتى تحقيق جميع الأهداف المعلنة، مهما بلغت التكاليف. فالاقتراع كان حزبياً وبرلمانياً، وتعكس نتائجه، بشكل أو بآخر، طبيعة البيئة السياسية الروسية التي تضغط على الرئيس لاتخاذ خطوات أكثر جدية وحزماً من أجل إنهاء العمليات العسكرية بقوة أكبر، وتحاصر منتقدي النظام، ولا سيما المعارضة المناهضة للحرب والقريبة من الغرب، التي تعزز دورها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ووصول بوريس يلتسين إلى السلطة، أو ما يُعرف اصطلاحاً بـ«زابادنيكي».

ومن هنا، يصبح دقيقاً القول إن النتيجة تعزز قدرة القيادة الروسية على مواصلة سياستها العسكرية من دون مواجهة عرقلة برلمانية كبيرة. ومع ذلك، فإن استمرار العمليات العسكرية أو توسيع نطاقها، أو الاتجاه في مرحلة ما نحو تسوية تفاوضية، سيعتمد أيضاً على تطورات ميدان القتال، وأوضاع الاقتصاد الروسي، وقدرات المجمّع الصناعي العسكري، وموقف أوكرانيا، وسياسات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ومستقبل العقوبات والمساعدات العسكرية الغربية المقدمة إلى كييف.

وعلى الرغم من ذلك، منحت نتائج الانتخابات بوتين مساحة مناورة واسعة للغاية. وهذا يعني، من زاوية أشمل، أنه إذا اختارت القيادة الروسية مواصلة العمليات العسكرية، وزيادة الإنفاق الدفاعي، وتطوير الصناعات العسكرية، ومواجهة العقوبات الغربية، فإنها تمتلك أغلبية برلمانية واسعة تسمح بإقرار التشريعات المرتبطة بهذه السياسة.

كما تعني النتيجة نفسها أن بوتين سيصبح أقل اعتماداً على الأصوات الأكثر تشدداً، التي تطالب بتوسيع الحرب أو باستخدام وسائل عسكرية أكثر خطورة. فحزب «روسيا الموحدة» لا يحتاج الآن إلى الشيوعيين أو القوميين للحصول على أغلبية في مجلس الدوما، إلا إذا تقاطعت مصالح الحزب الشيوعي والحزب الليبرالي الديمقراطي في قضايا محددة.

وبذلك، يستطيع الكرملين، نظرياً، التحرك في الاتجاهين: التصعيد إذا رأى أن ذلك يخدم أهداف الدولة الروسية، أو التفاوض والتسوية إذا توصّل إلى أن الظروف العسكرية والسياسية تجعل هذا الخيار أكثر ملاءمة.

وبهذا المعنى، لم تحسم انتخابات مجلس الدوما لعام 2026 ميزان القوى داخل البرلمان الروسي فحسب، بل ضيّقت أيضاً المسافة بين السلطة السياسية والمسؤولية عن الخيارات الاستراتيجية المقبلة. فقد خرج بوتين من الانتخابات مستنداً إلى قاعدة برلمانية أقوى، ومتمتعاً بقدرة أكبر على مواصلة نهجه في مواجهة الغرب والعقوبات والحرب، لكنه خرج أيضاً بهامش أوسع لاختيار توقيت التسوية أو التصعيد وشروطهما، إذا تغيّرت المعادلات العسكرية والدولية.

هل تقلص النتائج ضغوط الشيوعيين والقوميين باتجاه تصعيد أكبر؟

هذه واحدة من أهم النتائج غير المباشرة للانتخابات. فالأغلبية الكبيرة التي حصل عليها حزب «روسيا الموحدة» لا تمنح بوتين قدرة أكبر على مواجهة الضغوط الآتية من المعارضة الليبرالية أو المناهضة للحرب فحسب، بل تمنحه أيضاً استقلالية أكبر في مواجهة الأصوات الواقعة على الجانب الآخر من الطيف السياسي، أي تلك التي تطالب بسياسة عسكرية أكثر تشدداً.

فقد ظهرت، في المجالين السياسي والإعلامي الروسيين خلال سنوات الحرب، أصوات تطالب بتوجيه ضربات أشد إلى أوكرانيا، وتوسيع نطاق الأهداف العسكرية، والرد بصورة أقسى على الهجمات الأوكرانية. بل إن بعض الشخصيات ناقشت علناً إمكان استخدام أسلحة نووية.

لكن لا يجوز نسبة الدعوة إلى استخدام السلاح النووي التكتيكي إلى الحزب الشيوعي بأكمله أو إلى جميع القوى القومية، فهي مواقف صدرت عن شخصيات وتيارات محددة، فيما يبقى الموقف الرسمي للدولة الروسية أكثر تقييداً، إذ يربط استخدام الأسلحة النووية بشروط تحددها العقيدة النووية الروسية.

ومن هنا تظهر مفارقة مهمة: فكلما أصبح بوتين أقل اعتماداً على أصوات الشيوعيين والقوميين داخل البرلمان، أصبح أكثر حرية في اختيار مستوى التصعيد الذي يراه مناسباً. وهذا يعني أن النتيجة لا تقود بالضرورة إلى مزيد من التصعيد، بل تمنح الكرملين حرية الحركة في الاتجاهين. فبإمكانه الاستمرار أو التصعيد إذا قرر أن الظروف العسكرية تتطلب ذلك، لكنه يستطيع أيضاً الدخول في مفاوضات أو قبول تسوية معينة، من دون أن تكون حكومته، على المستوى البرلماني، رهينة أصوات القوى الأكثر تشدداً.

الأسلحة النوعية والسلاح النووي التكتيكي

ينبغي هنا التعامل بحذر شديد مع العلاقة بين نتائج الانتخابات والسياسة النووية، إذ لا توجد علاقة آلية بين فوز «روسيا الموحدة» واحتمال استخدام روسيا السلاح النووي التكتيكي. كما أن بوتين نفسه وصف الأسلحة النووية، في تصريحاته، بأنها وسيلة استثنائية وقصوى، فيما تحدد العقيدة النووية الروسية الحالات التي يمكن فيها النظر في استخدامها. ولذلك، فإن القول إن الانتخابات منحت القيادة تفويضاً لاستخدام السلاح النووي يتجاوز ما يمكن إثباته استناداً إلى النتائج.

لكن يمكن استخلاص نتيجة سياسية مختلفة، تتلخص في أن الأغلبية الكبيرة تمنح بوتين مساحة أوسع لإدارة سياسة الردع والتصعيد، من دون اعتماد كبير على القوى السياسية التي تطالب بردود عسكرية أكثر جذرية.

وبالتالي، قد يجعل ميزان القوى الجديد قرار التصعيد، وكذلك قرار عدم التصعيد، أكثر تمركزاً في مؤسسة الرئاسة ومؤسسات الأمن والدفاع، وأقل ارتباطاً بالضغوط البرلمانية.

مواجهة العقوبات الغربية

في السياسة الاقتصادية، توفر الأغلبية الجديدة استمرارية تشريعية للسياسات الروسية الرامية إلى التكيف مع العقوبات الغربية، وإعادة توجيه التجارة الخارجية، وتوسيع الإنتاج المحلي، وتمويل الصناعات الدفاعية، وتعزيز العلاقات الاقتصادية مع الصين والهند ودول آسيا والشرق الأوسط والجنوب العالمي.

وعلى الرغم من أن الانتخابات لا تلغي الآثار الاقتصادية للعقوبات والحرب، فإن الشرعية الانتخابية والقدرة العسكرية والاستدامة الاقتصادية تمثل ثلاثة متغيرات مختلفة. فقد تمتلك الحكومة أغلبية برلمانية قوية، وتواجه في الوقت نفسه تضخماً أو ارتفاعاً في أسعار الفائدة أو نقصاً في العمالة أو ضغوطاً على الموازنة.

لذلك، فإن الاختبار الأهم بالنسبة إلى الكرملين خلال السنوات المقبلة لن يقتصر على المحافظة على الأغلبية السياسية، بل سيشمل أيضاً قدرة الاقتصاد الروسي على تحمّل كلفة الحرب والإنفاق الدفاعي والعقوبات على المدى الطويل، وعدم الانجرار إلى حمّى التصعيد الأوروبي التي تقودها النخب الحاكمة في القارة العجوز. فقد رفعت هذه النخب موازناتها العسكرية، وأخذت تنفخ في أبواق الحرب من أجل ضمان استمرارها في الحكم، على الرغم من الهزائم التي تُمنى بها.

وهذا ما تعبّر عنه نتائج الانتخابات في ألمانيا، والجنوح نحو اليسار، واحتمال فوز مارين لوبان في فرنسا، ووصول قوى أكثر تشدداً من جورجيا ميلوني في إيطاليا، فضلاً عن تغيّر المشهد السياسي في بريطانيا.

السياسة الخارجية: رسالة استمرارية أكثر منها تحولاً

أما على الصعيد الخارجي، فلا تؤسس النتائج لسياسة روسية جديدة بقدر ما تعزز احتمالات استمرار السياسة القائمة. فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وأوكرانيا ستواجه قيادة روسية لم تؤدِّ الحرب والعقوبات، حتى الآن، إلى فقدانها السيطرة على المؤسسة التشريعية. بل إن الحزب الداعم للرئاسة خرج، وفق النتائج الأولية، بأغلبية أكبر.

وقد يدفع ذلك القيادة الروسية إلى الاعتقاد بأن عامل الزمن والضغط الاقتصادي الغربي لم يؤديا، حتى الآن، إلى تحوّل انتخابي داخلي ضد الحزب الحاكم.

لكن ذلك لا يعني أن الانتخابات تحدد نتيجة المواجهة الخارجية، فالحسابات الروسية ستظل مرتبطة بالتطورات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، وبمواقف القوى الكبرى الأخرى.

إعادة تشكيل النخبة الروسية

وثمة نتيجة أخرى قد تكون أبعد أثراً من نسب التصويت نفسها، تمثلت في دخول مزيد من المشاركين في الحرب والمحاربين القدامى المرتبطين بها إلى المؤسسات السياسية. وكان بوتين قد دعا سابقاً إلى إدماج المشاركين في الحرب في مؤسسات الدولة والإدارة والسياسة.

وإذا استمر هذا المسار، فقد تؤدي الحرب تدريجياً إلى تغيير تركيبة النخبة الروسية نفسها. أي إن تأثير الصراع لن يقتصر على السياستين الخارجية والدفاعية، بل يمكن أن يمتد إلى تكوين الطبقة الحاكمة في مرحلة ما بعد الحرب.

وقد تكون هذه العملية واحدة من أهم النتائج التاريخية البعيدة المدى للحرب، إذ تتمثل في ولادة جيل من المسؤولين والسياسيين ونشوئه، يستمد جزءاً من شرعيته ومكانته الاجتماعية والسياسية من تجربته العسكرية.

بوتين يخرج أقوى مؤسساتياً… لكن المسؤولية تصبح أكبر

في المحصلة، تعزز انتخابات مجلس الدوما لعام 2026 موقع بوتين داخل النظام السياسي الروسي. فقد أصبح حزب «روسيا الموحدة» يمتلك أغلبية دستورية كبيرة، فيما تراجع الشيوعيون مقارنة بعام 2021، ولم تظهر داخل البرلمان قوة قادرة على تهديد هيمنة الحزب الحاكم.

كما أن إجراء الانتخابات في ظل الحرب وهجمات المسيّرات والعقوبات يمنح الكرملين إمكان تقديم النتيجة داخلياً باعتبارها دليلاً على صمود النظام السياسي واستمرار قاعدة التأييد الشعبي له.

وفي الوقت نفسه، تقلّص الأغلبية الواسعة حاجة بوتين إلى القوى الأكثر تشدداً. فهو لا يحتاج إلى أصوات الشيوعيين أو القوميين لتمرير معظم سياساته، وبالتالي يصبح أقل عرضة للضغوط البرلمانية المطالبة بتوسيع الحرب أو باستخدام وسائل عسكرية أكثر خطورة.

ويقود ذلك إلى نتيجة أساسية، مفادها أن انتخابات عام 2026 وسّعت هامش المناورة أمام بوتين أكثر مما فرضت عليه اتجاهاً واحداً. فهي تمنحه قاعدة مؤسساتية لمواصلة الحرب وتمويلها، لكنها تمنحه أيضاً القدرة على تعديل الاستراتيجية أو التفاوض إذا رأى أن الظروف تقتضي ذلك. كما تعزز قدرته على مواصلة مواجهة العقوبات الغربية، لكنها لا تلغي كلفتها الاقتصادية.

ومن هذه الزاوية، يمكن الحديث عن تفويض سياسي أوسع لمواصلة النهج العام للسلطة، لكن لا يمكن الحديث عن تفويض انتخابي محدد باستخدام كل وسيلة عسكرية ممكنة، أو بالاستمرار في الحرب إلى أجل غير محدود. ويأتي ذلك على الرغم من أن المجتمع الروسي يميل بصورة متزايدة إلى اتخاذ خطوات أكثر راديكالية لإنهاء قضية أوكرانيا بالوسائل العسكرية والإمكانات المتاحة أمام القيادة الروسية، وفق ما تظهره استطلاعات الرأي.

وتكمن المفارقة في أن القوة الأكبر التي بات يتمتع بها بوتين بعد الانتخابات تعني أيضاً أن مسؤوليته السياسية عن القرارات المقبلة أصبحت أكثر وضوحاً. فكلما تقلّصت قدرة القوى البرلمانية الأخرى على فرض توجهاتها، أصبح من الأصعب تفسير القرارات الاستراتيجية المستقبلية باعتبارها نتيجة ضغوط مارسها الشيوعيون أو القوميون، أو نتيجة ضرورة الحصول على أصواتهم.

شبح 1917: هل تقف روسيا أمام ثورة من داخل النظام؟

يكمن استنتاج آخر لا يقل أهمية في أن نتائج انتخابات مجلس الدوما لعام 2026 تطرح علامات استفهام بشأن سيناريو تكرر في بعض التحليلات الغربية منذ اندلاع الحرب الأوكرانية، ومفاده أن الحرب والعقوبات والصراعات داخل النخبة قد تقود إلى انقلاب أو انهيار سياسي يعيد، بصورة ما، تجربة ثورة شباط/فبراير 1917.

لكن وجود ضغوط أو خلافات داخل النخبة لا يعني أن النظام بات قريباً من الانهيار. واللافت أن هذا التقييم لا يقتصر على المصادر الروسية، فقد خلص مركز الدراسات الشرقية البولندي «OSW»، في أيار/مايو 2026، وعلى الرغم من موقفه النقدي من الكرملين، إلى عدم وجود أدلة كافية على اقتراب أزمة سلطة أو تمرد داخل النخبة الروسية.

كما أن الإسقاط المباشر على أحداث عام 1917 يواجه إشكالية تاريخية. فقد سبقت سقوط النظام القيصري أزمة عميقة شملت الحرب والاستنزاف الاقتصادي ونقص الإمدادات والإضرابات الجماهيرية والانقسام داخل النخبة. ثم جاء العامل الحاسم عندما تمردت وحدات من حامية بتروغراد وانضمت إلى المحتجين.

ولا تظهر في روسيا المعاصرة، حتى الآن، مجموعة مماثلة من المؤشرات، إذ لا توجد حركة احتجاج وطنية تشل مؤسسات الدولة، ولا انقسام معلن ومستدام داخل الجيش والأجهزة الأمنية، ولا مركز سياسي بديل قادر على منافسة السلطة المركزية.

بل تشير انتخابات عام 2026، من الناحية المؤسسية، إلى اتجاه معاكس. فقد وسّع حزب «روسيا الموحدة» أغلبيته، فيما تراجع الحزب الشيوعي مقارنة بعام 2021، ولم تظهر قوة برلمانية قادرة على تهديد هيمنة الحزب الداعم للرئيس. وهذا يعني أن النظام الروسي محصّن من الأزمات إلى حد بعيد.

أما الرهان على حوادث كانت لها أبعاد مرتبطة بالفساد المالي، كما أظهر تمرد مجموعة «فاغنر» عام 2023، فلا يعني البتة إمكان حدوث هزات مفاجئة. فربما كان هناك، ولا يزال، أكثر من يفغيني بريغوجين في روسيا، لكن احتواء أمثال هؤلاء بات أسهل، فيما تجري عمليات مكافحة الفساد داخل القوات المسلحة بوتيرة مرتفعة.

ولا أعتقد أن هزيمة عسكرية كبيرة، أو أزمة اقتصادية حادة، أو انقساماً خطيراً داخل أجهزة الدولة يمكن أن يغيّر المعادلة مستقبلاً. فبوتين يحظى بالتأييد والاعتراف حتى من منافسيه الشيوعيين والقوميين، فيما كان القيصر نيقولا الثاني الأقل شعبية عام 1917.

لكن تحويل هذه الاحتمالات إلى توقع دائم بسقوط بوتين الوشيك يخلط بين السيناريو الممكن والسيناريو المثبت بالأدلة. فالحرب لا تؤدي حتماً إلى الثورة، والعقوبات لا تنتج بالضرورة انقلاباً، والخلاف داخل النخبة لا يعني وجود تحالف قادر على إسقاط النظام.

لذلك، تبقى المقارنة بثورة شباط/فبراير 1917 مفيدة بوصفها أداة تاريخية لاختبار مؤشرات الأزمة، لكنها لا تكفي للتنبؤ بمصير روسيا المعاصرة. وإلى أن تظهر مؤشرات متزامنة، مثل انقسام النخبة، وفقدان السلطة السيطرة على أجزاء من الجيش أو الأجهزة الأمنية، واندلاع احتجاجات جماهيرية مستدامة، ووقوع أزمة اقتصادية تعجز الدولة عن احتوائها، سيظل الحديث عن «فبراير روسي جديد» سيناريو هوليوودياً افتراضياً أكثر منه تشخيصاً مثبتاً للواقع الروسي بعد انتخابات عام 2026.

وبذلك، يمكن تلخيص المشهد الروسي بعد انتخابات عام 2026 في معادلة سياسية واحدة: حزب «روسيا الموحدة» أصبح أقوى، والشيوعيون تراجعوا قليلاً، ما يعني أن المعارضة البرلمانية باتت أقل قدرة على تغيير ميزان السلطة، وأن بوتين أصبح يمتلك قاعدة تشريعية أكثر اتساعاً لمواصلة نهجه. لكن هذه القوة نفسها توسّع مسؤوليته عن تحديد الاتجاه المقبل بين الحرب والسلام، والتصعيد والتفاوض، ومواجهة الغرب وإدارة تداعيات العقوبات.

مقالات الكاتب

د. زياد  أسعد منصور

أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.