في القرى لا تموت الحكايات بموت أصحابها. هناك دائمًا سر يبقى، واسم يتردد، وسؤال لا يجد إجابة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بإنسان جاء إلى القرية من مكان مجهول، ثم عاش ومات فيها دون أن يعرف أحد على وجه اليقين من أين جاء.
وهكذا بدأت حكاية سناء.
لكن قبل سناء كان هناك الأب. رجل غريب ظهر في القرية ذات يوم، لا يعرف أحد من أين أتى، ولا من أي عائلة، ولا أين كانت جذوره. حتى ديانته لم تكن معروفة على وجه اليقين. هل كان مسلمًا أم مسيحيًا؟ كان هناك من يعتقد أنه مسيحي، لكن لم يكن هناك دليل قاطع. وظلت المسألة مجرد شكوك وهمسات تتناقلها الألسنة.
أما الرجل نفسه فلم يكن يتحدث كثيرًا عن ماضيه. جاء إلى القرية وعمل في المزيكا. كان يعزف في الأفراح والليالي، يعرف كيف يجعل الآلة تتحدث، وكيف يحول الحزن إلى لحن، وكيف يجعل الناس تنسى مشاكلها لساعات. وبمرور الوقت أصبح واحدًا من أهل القرية.
تزوج من سنية. وكانت سنية امرأة سمراء قوية الشخصية، تعرف كيف تدبر أمورها وتواجه الحياة. وكان أهل القرية يقولون عنها: “دي ست تلعب بالبيضة والحجر”.
ثم جاءت سناء. كانت فتاة جميلة. جمالها كان واضحًا منذ طفولتها، وكانت تلفت الأنظار دون أن تبحث عن ذلك. لكن الحياة لم تمنحها فرصة طويلة للعيش في هدوء.
مات الأب. ومعه رحلت إجابات كثيرة. من أين جاء؟ من هم أهله؟ ما أصله؟ هل كان مسلمًا أم مسيحيًا؟ ولماذا جاء إلى هذه القرية؟ أسئلة بقيت معلقة.
وبعد وفاة الأب تزوجت الأم. أما سناء، فلم تستطع أن تتكيف مع حياتها الجديدة. كانت القاهرة تناديها. كانت تنظر إلى ما وراء القرية، وترى في المدينة الكبيرة فرصة للخروج من عالمها الصغير.
وفي يوم من أيام السبعينيات خرجت سناء من القرية. لم تكن تعرف أن هذه الخطوة ستغير حياتها إلى الأبد. ذهبت إلى القاهرة. وعملت خادمة في البيوت.
كانت البداية شاقة لفتاة صغيرة تدخل مدينة ضخمة لا تعرف أحدًا فيها. لكن سناء كانت تبحث عن شيء أكبر من مجرد العمل. كانت تبحث عن حياة. عن عالم جديد. عن نفسها.
ثم جاءت بيروت. في السبعينيات كانت بيروت مدينة مفتوحة على البحر والفن والموسيقى والحياة. وكان كثير من الذين هربوا من بيوتهم وقراهم يجدون فيها مساحة لحياة جديدة. هناك عملت سناء راقصة. دخلت عالمًا آخر. عالم الأضواء والموسيقى والسهر.
تعلمت كيف تعيش بعيدًا عن القرية. كيف تعتمد على نفسها. كيف تواجه الناس. وكيف تصنع طريقها وسط عالم لا يشبه المكان الذي ولدت فيه.
مرت السنوات. وتغيرت سناء. ثم عادت إلى مصر. لكنها لم تعد الفتاة التي خرجت. كانت قد عاشت سنوات في القاهرة وبيروت، ورأت من الدنيا ما لم تكن تعرفه في قريتها الصغيرة. وأول ما فعلته أنها أخذت أمها وأسرتها إلى القاهرة.
وهنا تبدأ الحكاية الأهم. حكاية أسرة بدأت من العدم. لم تعد القاهرة تسأل سناء وأسرتها من أين جاء أبوها. لم يكن أحد يعرف أصل الرجل الغريب، ولم يكن المجتمع الجديد مهتمًا كثيرًا بهذا السؤال. كانت القاهرة أكبر من القرية. مدينة يدخلها الناس من كل مكان، وتتداخل فيها العائلات والأنساب والهجرات والمصاهرات والعمل.
وهكذا بدأت الأسرة تنصهر داخل مجتمع مفتوح. سناء تتزوج. وتبدأ حياة أخرى. تترك وراءها سنوات بيروت، وتفتح صفحة جديدة في حياتها. تنجب أطفالها. ويصبح لها بيت وأسرة وأبناء.
أما إخوتها، فيعيشون هم أيضًا في القاهرة. كل واحد منهم يبدأ في بناء حياته. زيجات. أبناء. بيوت. مصاهرات. علاقات جديدة. وتكبر الأسرة شيئًا فشيئًا. وتدخل أسماء جديدة إليها.
ومع مرور الوقت بدأت الأسرة تنصهر داخل المجتمع القاهري. لم يعد أحد يسأل كثيرًا عن أصل الأب الغريب. ولا من أي مكان جاء. ولا ما كانت ديانته. فالمدينة الكبيرة لا تمنح الناس وقتًا طويلًا للبحث في جذور الآخرين.
الحياة أسرع. الناس مشغولون بأعمالهم وأبنائهم ومستقبلهم.
وهكذا أصبحت الأسرة جزءًا من القاهرة. أبناء ولدوا فيها. وأحفاد كبروا فيها. زيجات تمت داخل عائلات أخرى. ومصاهرات ربطت هذه الأسرة بعائلات جديدة. حتى أصبح السؤال عن البداية الأولى أصعب مع مرور السنوات.
من أين بدأنا؟ سؤال بسيط في ظاهره، لكنه ليس بسيطًا في حكاية كهذه. فالنسب ليس دائمًا مجرد اسم عائلة. أحيانًا يكون رحلة طويلة من الهجرة والمصاهرة والانصهار الاجتماعي. رجل غريب يأتي إلى قرية. يتزوج. ينجب. ثم يموت.
تخرج ابنته من القرية إلى القاهرة. تعمل. ثم تسافر إلى بيروت. تعود. تتزوج. تنجب. ويكبر أبناؤها. ويتزوجون هم أيضًا. فتتداخل الدماء والعائلات.
وبعد عقود يصبح السؤال: أين كانت البداية؟
لكن سناء لم تعد تلك الفتاة التي خرجت يومًا من القرية. لقد أصبحت زوجة وأمًا. لها أولادها. لها بيتها. لها أسرتها. وعاشت حياة جديدة تمامًا.
لم تعد الراقصة التي عاشت في بيروت. ولم تعد الخادمة التي دخلت بيوت القاهرة وهي تحمل أحلام فتاة صغيرة. أصبحت امرأة لها أسرة وذكريات وأبناء وأحفاد.
أما إخوتها فقد عاشوا هم أيضًا في القاهرة، وكل واحد منهم شق طريقه. وتدريجيًا اختفت آثار القرية من تفاصيل حياتهم اليومية.
لم تعد القرية مركز العالم. أصبحت مجرد ذكرى بعيدة. وأصبح المجتمع الجديد هو الواقع.
لكن سناء لم تنس القرية. كانت تعود إليها من وقت إلى آخر. وفي إحدى زياراتها ظهرت بصورة لم يألفها أهلها. السيجارة بين أصابعها. ومعطف الفروة على كتفيها. ملابس أنيقة. عطر مختلف. طريقة مختلفة في الكلام والمشي. كانت امرأة صنعت لنفسها صورة جديدة تمامًا. وما إن ظهرت حتى أصبحت حديث القرية.
“سناء؟”… “سناء بنت سنية؟”… كان السؤال يتردد من بيت إلى بيت. النساء يراقبن من خلف النوافذ. والرجال يتابعون المشهد من بعيد. والصغار يركضون خلفها.
كل واحد يريد أن يعرف ماذا حدث للفتاة التي خرجت منذ سنوات. لكن سناء لم تكن بحاجة إلى أن تشرح. كانت عودتها وحدها كافية. وقفت أمام البيت القديم. البيت الذي شهد طفولتها. البيت الذي خرجت منه يومًا وهي لا تعرف أين ستذهب. نظرت إليه طويلًا. كان البيت كما هو. لكن الفتاة التي خرجت منه لم تعد موجودة.
سألها أحدهم: “وحشك المكان”؟
ابتسمت وقالت: “المكان عمره ما بيتغير… الناس هي اللي بتتغير”.
كانت جملة قصيرة. لكنها كانت تختصر عمرًا كاملًا. فالفتاة التي خرجت من القرية خادمة في بيوت القاهرة… سافرت إلى لبنان… وعاشت في عالم مختلف… ثم عادت إلى مصر وأخذت أمها وأسرتها إلى القاهرة… وتزوجت وأنجبت… وبدأت مع إخوتها صفحة جديدة.
أسرة كاملة بدأت تقريبًا من نقطة الصفر، ثم كبرت مع الزمن حتى أصبح لها وجودها داخل مجتمع القاهرة. لكن وراء كل ذلك بقي سؤال الأصل. من كان أبو سناء؟ من أين جاء؟ من أي مكان؟ من أي عائلة؟ هل كان مسلمًا أم مسيحيًا؟
كان الشك عند بعض أهل القرية يميل إلى أنه مسيحي، لكن الحقيقة لم تثبت. وظل الغموض قائمًا. وكأن الرجل الغريب ترك وراءه لغزًا لم يحله أحد. ثم جاء موته. وبقي اللغز. وبعده خرجت ابنته من القرية. وبدأت هي الأخرى حياة مليئة بالتحولات.
من فتاة جميلة في قرية صغيرة… إلى خادمة في بيوت القاهرة… إلى راقصة في بيروت… ثم إلى زوجة وأم تعيش حياة أخرى… وتأخذ أمها وأسرتها إلى القاهرة… وتبدأ مع إخوتها وأبنائها وأحفادها قصة أسرة جديدة.
أسرة لا تسأل كثيرًا عن الماضي. أسرة تنظر إلى المستقبل. أسرة انصهرت داخل مجتمع مفتوح لا يسأل كل يوم: من أين أتيت؟ ومن كان جدك؟ وما أصل أمك؟
بل يسأل: ماذا أصبحت؟ وهنا تكمن المفارقة.
الرجل الذي جاء إلى القرية بلا أصل معروف في ذاكرة أهلها ترك وراءه نسلًا. والفتاة التي خرجت من القرية تبحث عن حياة صنعت حياة. والأسرة التي بدأت من العدم تقريبًا أصبحت لها بيوت وأبناء وأحفاد ومصاهرات وذكريات. أما النسب فأصبح حكاية أخرى. حكاية لا يمكن اختصارها في اسم عائلة واحد.
فقد امتدت الأسرة من القرية إلى القاهرة. ومن بيت صغير إلى بيوت كثيرة. ومن جيل إلى جيل. حتى صار الماضي نقطة بعيدة في بداية شجرة عائلية كبيرة.
وعندما عادت سناء إلى القرية ذات يوم، لم تعد كما خرجت. كانت صاحبة السيجارة. وترتدي معطف الفروة. وتحمل معها ملامح المدينة.
لكن خلف كل ذلك كانت هناك فتاة صغيرة ما زالت تسكن داخلها. فتاة فقدت أباها. فتاة لم تعرف من أين جاء. فتاة لم تعرف على وجه اليقين ديانته. فتاة خرجت تبحث عن مكان في العالم. ثم صنعت لنفسها مكانًا.
وربما لهذا السبب بقيت حكايتها في ذاكرة القرية. لأنها لم تكن مجرد حكاية فتاة هربت إلى بيروت. كانت حكاية أسرة بدأت من رجل غريب لا يعرف أحد أصله… ثم أصبحت بعد سنوات طويلة أسرة لها أبناء وأحفاد.
وهكذا تحولت الحكاية من سؤال: “أبو سناء كان مين”؟ إلى سؤال أكبر: “سناء وأولادها أصبحوا مين”؟
وربما هذه هي الحكاية الحقيقية للنسب. أن يبدأ الإنسان من مكان لا يعرفه أحد… ثم يصنع مكانه بنفسه بين الناس. فالنسب أحيانًا لا يكون فقط فيما ورثناه عن الآباء… بل فيما نتركه نحن للأبناء. وهكذا بقي أبو سناء لغزًا. وبقيت سناء حكاية. أما نسلها… فكان الإجابة التي لم يستطع الأب أن يتركها في حياته.
الفتاة التي هربت إلى بيروت… عادت يومًا إلى قريتها، لكنها لم تعد الفتاة نفسها. لقد عادت امرأة تحمل وراءها حياة كاملة… وحكاية نسب بدأت من العدم، ثم امتدت عبر القاهرة إلى أجيال جديدة لا تعرف ربما كل شيء عن الرجل الغريب الذي بدأت منه الحكاية…

محمد سعد عبد اللطيف
كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.
