كان الليل قد أسدل ستائره على بحر الشمال. وكانت الريح تضرب النوافذ، والمطر يهطل بلا توقف، فيما بدا البحر أمامنا غاضبًا، كأنه يحمل في أعماقه شيئًا من غضب الشتاء.
جلستُ في مقهى صغير على مقربة من البحر، وكانت إليزابيث تجلس أمامي؛ امرأة أوروبية تجاوزت الخامسة والستين بقليل، لكنها كانت تتحدث عن الحياة والحب وكأن العمر لا صلة له بالأحلام.
لم يكن بيننا كثير من الاتفاق في البداية. كنتُ قادمًا من ثقافة ترى الحب مسؤولية قبل أن يكون شعورًا، وترى أن الإنسان، حين يختار بقلبه، ينبغي أن يكون مستعدًا لتحمّل تبعات اختياره. أما هي، فكانت تنظر إلى الحب باعتباره تجربة إنسانية يمكن أن تتكرر، وترى أن لكل مرحلة في حياة الإنسان مشاعرها واكتشافاتها.
كان الهاتف وسيطًا بيننا؛ نكتب كلٌّ منا بلغته، ثم تأتي الترجمة الفورية إلى لغة الآخر. ومع ذلك، لم أشعر بأن التكنولوجيا كانت تفصل بيننا؛ فقد كان الحوار أعمق من الكلمات نفسها.
قالت لي إن الإنسان قد يحب أكثر من مرة، وإن القلب ليس سجنًا، وإن التجربة العاطفية يمكن أن تمنح المرء فرصة جديدة لاكتشاف ذاته.
فكرتُ قليلًا، ثم قلت لها إنني لا أرى الحب بهذه الطريقة. فالحب الحقيقي، بالنسبة إليّ، ليس محطة نغادرها عندما تتغير المشاعر الأولى؛ بل هو أيضًا قرار ومسؤولية وقدرة على البقاء، حين تهدأ العاطفة وتبدأ الحياة في كشف وجهها الحقيقي.
نظرت إليّ طويلًا، ثم سألتني سؤالًا بدا بسيطًا، لكنه كان يحمل كثيرًا من المعاني: «وماذا تفعل إذا جفّ الحب؟»
ابتسمتُ وقلت إن بعض ما نسمّيه حبًّا في البداية قد يكون شغفًا أو انجذابًا أو رغبة، لكن الحب الحقيقي شيء آخر. فالمشاعر تتغير، نعم، والإنسان يتغير، والزمن يترك أثره في كل شيء، إلا أن ثمة نوعًا من المحبة لا يقوم على حرارة اللحظة وحدها، وإنما على المودة والرحمة والوفاء.
قلت لها إن الإنسان الشرقي ربما يبدو، أحيانًا، أكثر تشددًا في نظرته إلى الحب، لأنه ورث فكرة مفادها أن العلاقة بين الرجل والمرأة ليست مجرد تجربة عابرة، وإنما هي حياة مشتركة، ومسؤولية، وبيت، وذاكرة، وأبناء، وأيام طويلة فيها الفرح وفيها التعب.
لم تجادلني هذه المرة.
ظلّت تنظر إلى البحر، ثم قالت: «ربما لا يكون الاختلاف بيننا في الحب نفسه، وإنما في الطريقة التي ينظر بها كلٌّ منا إليه».
كانت جملة بسيطة، لكنها بقيت عالقة في ذهني.
فكرتُ بعدها في المسافة الكبيرة التي تفصل بين الشرق والغرب؛ اختلاف في الدين والعادات وطريقة التفكير، وفي نظرة الإنسان إلى الأسرة والحياة والموت والحب. ومع ذلك، اكتشفت أن الإنسان، في النهاية، يبحث عن الأشياء نفسها تقريبًا؛ يبحث عن الأمان، وعن شخص يفهمه، وعن لحظة يشعر فيها بأنه ليس وحيدًا في هذا العالم.
ربما لهذا السبب كان الحوار بيننا أجمل من أي محاولة لإقناع أحدنا الآخر.
لم تكن إليزابيث تريد أن تغيّر أفكاري، ولم أكن أريد أن أغيّر أفكارها. كنا فقط نحاول أن نفهم لماذا يرى كلٌّ منا الحياة من نافذة مختلفة.
وهذا هو ما نفتقده كثيرًا في عالمنا اليوم.
لقد أصبح الاختلاف في الرأي سببًا للخصومة، وأصبح الحوار معركة يريد فيها كل طرف أن ينتصر على الآخر. وننسى أن الإنسان يستطيع أن يختلف معك من دون أن يكرهك، وأن يحترمك من دون أن يتفق معك.
في تلك الليلة، أدركت أن الحوار الحقيقي لا يعني أن تجعل الآخر نسخة منك؛ بل أن تترك له حقه في أن يكون مختلفًا، وأن تحاول، على الرغم من اختلافك معه، أن تفهمه.
تذكرتُ أيامًا قديمة كانت فيها المجالس تجمع الناس، على الرغم من اختلافهم. كان النقاش يمتد ساعات، وربما اختلف الناس بشدة، ثم ينصرف كلٌّ منهم إلى بيته من دون أن يحمل في قلبه كراهية للآخر.
أما اليوم، فقد أصبحت الكلمات أسرع من التفكير، وأصبح الحكم على الآخرين أسهل من محاولة فهمهم.
عاد المطر يضرب زجاج المقهى، واشتد صوت البحر.
قالت إليزابيث، وهي تنظر إلى الأمواج: «إن البحر يشبه الإنسان؛ يبدو هادئًا من بعيد، لكنه يحمل في داخله عالمًا لا نراه».
ابتسمتُ وقلت لها: «ربما لهذا السبب نستطيع أن نجلس أمام البحر ساعات طويلة من دون أن نشعر بالملل. فنحن لا ننظر إلى الماء فحسب، بل نرى أنفسنا فيه».
انتهت تلك الجلسة من دون أن يتغير رأي أيٍّ منا.
لكن شيئًا آخر كان قد تغير: أصبح كلٌّ منا أكثر قدرة على فهم الآخر.
وعندما خرجتُ من المقهى، كان الليل لا يزال باردًا، والريح تعصف في الطريق، والبحر يواصل صخبه القديم.
مشيتُ قليلًا وأنا أفكر في أن الحياة لا تقوم على أن نتفق دائمًا؛ وربما تصبح أجمل حين نتعلم كيف نختلف من دون أن نفقد إنسانيتنا.
ومن بين ضجيج البحر وصوت الريح، فهمت أن أعظم ما يمكن أن تمنحنا إياه المسافات بين الثقافات ليس أن تجعلنا متشابهين، وإنما أن تساعدنا على اكتشاف الإنسان الذي يسكن في داخل كلٍّ منا.

محمد سعد عبد اللطيف
كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.
