مصر داخل حلقة النار… هل تستطيع النجاة من عاصفة الإقليم؟

هناك لحظات في تاريخ الدول لا يكون الخطر فيها قادمًا من اتجاه واحد، وإنما تتجمع الأخطار من جميع الجهات، وتصبح الدولة مطالبة بإدارة أكثر من أزمة في الوقت نفسه، من دون أن تسمح لأزمة واحدة بأن تسحبها إلى أزمة أخرى. ومصر اليوم تبدو أمام هذا النوع من اللحظات.

من اليمن والبحر الأحمر وباب المندب، إلى السودان والحدود الجنوبية، وليبيا والحدود الغربية، وفلسطين والحدود الشرقية، وصولًا إلى صراع النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية، تتشكّل حول مصر حلقة واسعة من الأزمات. وفي قلب هذه الحلقة تقف الجغرافيا السياسية.

فاليمن لم يكن يومًا مجرد دولة بعيدة عن الأمن القومي المصري. ومنذ ستينيات القرن الماضي، أدرك جمال عبد الناصر أن ما يحدث في اليمن يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس. ولهذا، دخلت مصر الحرب اليمنية بعد ثورة 26 سبتمبر 1962، دعمًا للجمهوريين في مواجهة الملكيين.

لم يكن الحوثيون هم القوة التي واجهها الجيش المصري آنذاك؛ فلكل مرحلة قواها وظروفها، لكن الجغرافيا لم تتغير. فاليمن لا يزال عند البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وباب المندب لا يزال أحد أهم مفاتيح الملاحة العالمية، وقناة السويس لا تزال البوابة الشمالية لهذا الطريق الحيوي. واليوم، أصبح الحوثيون قادرين على التأثير في حركة الملاحة، وهو ما جعل البحر الأحمر جزءًا من الصراع الإقليمي والدولي.

لكن قراءة المشهد من زاوية اليمن وحدها ستكون قراءة ناقصة. تلعب إيران، منذ سنوات، على ورقة المضايق والممرات البحرية، من مضيق هرمز إلى النفوذ غير المباشر في البحر الأحمر، وتحاول تحويل موقعها الجغرافي وشبكة حلفائها في المنطقة إلى أوراق ضغط سياسية وعسكرية.

وفي المقابل، هناك قوى إقليمية ودولية لها حساباتها الخاصة، وكل طرف يحاول تثبيت نفوذه، أو حماية مصالحه، أو بناء تحالفاته وجسوره في المنطقة. ويكمن الخطر في أن تتحول المنطقة العربية إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الآخرين. حروب تستهلك الأموال. أسلحة تتدفق. اقتصادات تنزف. دول تنهار أو تضعف. وقوى كبرى تختبر نفوذها على أرض المنطقة.

وفي وسط هذا كله تقف مصر. مصر لا تواجه أزمة واحدة حتى تتمكن من التعامل معها بصورة منفردة. هناك ضغوط اقتصادية متراكمة، وارتفاع في كلفة تأمين احتياجات الدولة، وضغط على العملة والموارد الدولارية، وتحديات مرتبطة بالطاقة والغذاء والاستثمار وخدمة الدين.

ثم تأتي الأزمات الإقليمية لتضيف أعباء جديدة. وأكبر مثال على ذلك هو قناة السويس. فكلما ازدادت المخاطر في البحر الأحمر وباب المندب، ازدادت احتمالات اضطراب حركة الملاحة. وهذا يعني أن الأزمة الأمنية في جنوب البحر الأحمر يمكن أن تتحول إلى أزمة اقتصادية في القاهرة.

وهنا تكمن المفارقة. تمتلك مصر واحدة من أهم أوراقها الاستراتيجية في العالم، وهي قناة السويس، لكنها، في الوقت نفسه، تتأثر بأي اضطراب يصيب الطريق البحري المؤدي إليها. فالسفينة التي تخشى عبور باب المندب يمكن أن تختار طريق رأس الرجاء الصالح. وهذا يعني رحلة أطول، وكلفة أعلى، ووقتًا أكبر.

وبالنسبة إلى مصر، يعني ذلك احتمال انخفاض إيرادات قناة السويس إذا استمرت الأزمة فترة طويلة، واتجهت شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها. وهنا، يجب ألّا ننظر إلى الأمر باعتباره مجرد خسارة في إيرادات القناة. فالمشكلة أوسع من ذلك. لأن مصر، في الوقت نفسه، تحتاج إلى الحفاظ على تدفقات العملة الصعبة، وزيادة الصادرات والاستثمارات والسياحة وتحويلات المصريين في الخارج، بينما لا يمنحها الإقليم المحيط بها رفاهية الهدوء.

مصر داخل حلقة نار. لكن السؤال الأهم ليس: هل توجد مخاطر؟ فالمخاطر موجودة بالفعل. السؤال هو: هل تستطيع مصر منع هذه المخاطر من التحول إلى صراع مباشر داخل حدودها، أو إلى أزمة اقتصادية تهدد استقرارها؟ وهنا تبرز عدة سيناريوهات.

السيناريو الأول هو استمرار مصر في سياسة إدارة الأزمات من دون الدخول المباشر في الصراعات. وربما يكون هذا السيناريو الأكثر عقلانية في الظروف الحالية. أي أن تحافظ مصر على قوة الردع، وتؤمّن حدودها، وتحمي مصالحها، وتستخدم الدبلوماسية، وتحاول البقاء بعيدة عن الحروب المفتوحة التي تستنزف الاقتصاد والجيش في الوقت نفسه.

أما السيناريو الثاني، فهو أن تتسع دائرة الصراع الإقليمي بطريقة تفرض على مصر تدخلًا أكبر، سواء بسبب تهديد مباشر للبحر الأحمر، أو قناة السويس، أو الحدود المصرية. وهنا، ستجد القاهرة نفسها أمام معادلة صعبة: كيف تحمي أمنها القومي من دون أن تتحول إلى طرف في حرب طويلة؟

أما السيناريو الثالث، فهو أكثر خطورة. ويتمثل في انتقال الضغوط الخارجية إلى الداخل. وليس بالضرورة أن يحدث ذلك من خلال حرب أو عمل عسكري، وإنما قد يحدث من خلال الاقتصاد، وارتفاع الأسعار، وتراجع الموارد، وزيادة الضغوط الاجتماعية، واستغلال الأزمات لإحداث حالة من الإحباط أو عدم الاستقرار. وهنا تصبح الجبهة الداخلية خط الدفاع الأول. فالدولة التي تواجه ضغوطًا خارجية تحتاج إلى مجتمع متماسك، واقتصاد قادر على الصمود، ومؤسسات قوية، وثقة متبادلة بين الدولة والمواطن.

أما أخطر السيناريوهات، فهو أن تتزامن الضغوط الخارجية مع أزمة اقتصادية داخلية عميقة. عندها، يمكن أن تتحول الأزمات من ملفات منفصلة إلى أزمة واحدة مركبة. حرب في الإقليم. اضطراب في الملاحة. ارتفاع في كلفة الطاقة. ضغط على العملة. ارتفاع في الأسعار. ثم ضغوط اجتماعية. وهنا، تكون الدولة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة الأزمات.

لكن مصر ليست دولة بلا أدوات. لديها جيش قوي. ولديها موقع جغرافي استثنائي. ولديها قناة السويس. ولديها ثقل سياسي ودبلوماسي في المنطقة. ولديها قدرة تاريخية على إدارة التوازنات، وعدم الانجرار بسهولة إلى كل صراع يشتعل حولها.

لكن القوة العسكرية وحدها لا تكفي. والدبلوماسية وحدها لا تكفي. والاقتصاد وحده لا يكفي. المطلوب هو إدارة متكاملة للأزمة. أن تعرف مصر أين تتدخل وأين لا تتدخل. ومتى تستخدم القوة، ومتى تستخدم السياسة. ومتى تتحرك منفردة، ومتى تتحرك مع شركائها. ومتى يكون الصمت الاستراتيجي أكثر فاعلية من الدخول في معركة لا تخدم المصالح المصرية.

والأهم من كل ذلك، أن تظل الجبهة الداخلية بعيدة عن الاستقطاب والانقسام. لأن مصر، في هذه المرحلة، لا تحتاج إلى حرب جديدة. مصر تحتاج إلى حماية حدودها ومصالحها واقتصادها. وتحتاج إلى الخروج من عاصفة المنطقة بأقل كلفة ممكنة.

فالشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة. القوى الكبرى تعيد حساباتها. والقوى الإقليمية تبحث عن مناطق نفوذ جديدة. والمضايق البحرية تتحول إلى أوراق ضغط. والطاقة أصبحت سلاحًا. والاقتصاد أصبح جزءًا من الحرب. والتحالفات تتغير بسرعة.

وفي وسط هذه الخريطة المعقدة توجد مصر. هل تستطيع تجنّب الانهيار؟ نعم، تستطيع، لكن بشرط ألّا تدخل كل معركة تشتعل حولها، وألّا تسمح، في الوقت نفسه، لأي طرف بالاقتراب من أمنها القومي.

هل تستطيع تجنّب الصراعات؟ ليس دائمًا، لأن بعض الصراعات قد يقترب من حدودها ومصالحها بصورة مباشرة. لكنها تستطيع أن تختار معاركها. وهذه هي المعركة الحقيقية. أن تظل مصر قوية من دون استنزاف. حاضرة من دون تورط. قادرة على الردع من دون الانجرار إلى حرب مفتوحة. لأن مصر اليوم لا تواجه عدوًا واحدًا يمكن هزيمته في معركة واحدة. إنها تواجه بيئة إقليمية كاملة تتغير أمام عينيها.

ولهذا، فإن أخطر سؤال ليس: ماذا سيحدث في اليمن، أو السودان، أو ليبيا، أو البحر الأحمر، كلٌّ على حدة؟ السؤال الحقيقي هو: ماذا سيحدث إذا اجتمعت كل هذه الأزمات في لحظة واحدة؟ عندها فقط، سنعرف مدى قدرة الدولة المصرية على عبور هذه المرحلة.

مصر داخل حلقة النار. لكنها ليست، بالضرورة، أسيرة لها. والتاريخ يقول إن مصر، عندما تحسن قراءة الخريطة، تستطيع عبور أصعب الأزمات. المطلوب الآن أن تقرأ القاهرة الخريطة جيدًا، وأن تدرك أن المعركة المقبلة لن تكون عسكرية فقط. فقد تكون معركة اقتصاد. ومعركة حدود. ومعركة نفوذ. ومعركة وعي.

وفي النهاية، ستظل المعادلة واضحة: لا حرب بلا ضرورة. ولا تنازل عن الأمن القومي. ولا استنزاف للاقتصاد. ولا ترك للداخل فريسة للضغوط الخارجية. مصر داخل حلقة النار، لكن عليها أن تخرج منها دولة أقوى، لا دولة مستنزفة.

مقالات الكاتب

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.