التشفير البيولوجي وهوية المرأة: رحلة التعافي بعد سرطان الثدي

للثدي، أولاً، حقيقة ووظيفة بيولوجية؛ فهو يرتبط بإنتاج الحليب وإرضاع الطفل. لكنه يحمل، في التجربة الإنسانية والثقافية، أبعاداً أخرى مرتبطة بالأمومة والرعاية والحماية والحميمية والأنوثة وصورة الجسد. ومن هنا، يطرح التشفير البيولوجي (Biodecoding)، ولا سيما في مقاربة كريستيان فليش، فرضية تقوم على استكشاف العلاقة بين الوظيفة البيولوجية للعضو والتجربة الذاتية للشخص.

فلا يكون السؤال فقط: ماذا حدث؟ بل أيضاً: كيف عاشت المرأة ما حدث؟

فالحدث نفسه لا يحمل المعنى ذاته لدى الجميع. والانفصال، أو وفاة شخص عزيز، أو مرض أحد الأبناء، أو مغادرة الأبناء المنزل، أو الأزمة الزوجية، أو تهديد استقرار الأسرة، كلها أحداث قد تُعاش بطرق مختلفة جذرياً من امرأة إلى أخرى.

وفي فرضيات التشفير البيولوجي المرتبطة بالثدي، تتكرر موضوعات مثل الحماية، والرعاية، والانفصال، والأمومة، والتعلق، و«العش» أو المحيط العائلي. لكن ربما ينبغي الذهاب أبعد من البحث عن الحدث أو الرابط، والانتقال إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا يحدث لهوية المرأة عندما يتغير الدور الذي اعتادت أن تعرّف نفسها من خلاله؟

فقد تكون المرأة قد بنت جزءاً مهماً من هويتها حول كونها مَن تحمي وترعى وتحتوي وتجمع الأسرة وتتحمل المسؤولية عن الآخرين. وعندما يتغير هذا الدور، لا تتغير العلاقة فقط، بل قد تحتاج صورة الذات نفسها إلى إعادة بناء.

أين يقع دور التشفير البيولوجي؟

من الضروري، هنا، وضع حدود واضحة. التشفير البيولوجي ليس علاجاً مثبتاً للسرطان، ولا توجد أدلة علمية تثبت أنه يشفي الورم، أو يمنع انتشاره، أو يحول دون ظهور النقائل. كما أن الوعي بالصراعات النفسية أو العمل عليها لا يشكل ضمانة للوقاية من سرطان الثدي. ويبقى العلاج والتشخيص والمتابعة والوقاية الطبية ضمن اختصاص طب الأورام.

أما التشفير البيولوجي، عندما يُستخدم في إطار مرافقة نفسية تكاملية، فيمكن النظر إليه بوصفه إطاراً استكشافياً للتجربة الذاتية: ما الذي كانت المرأة تعيشه؟ ما الروابط المهمة في حياتها؟ ما الذي تغير أو فُقد؟ ما الدور الذي كانت تشغله؟ وكيف أثرت تجربة المرض نفسها في علاقتها بجسدها وهويتها والآخرين؟

وهذا التمييز ضروري حتى لا تتحول القراءة النفسية إلى مصدر للشعور بالذنب. فلا يمكن الاستنتاج أن ظهور السرطان يعني وجود صراع نفسي لم يُحل، كما لا يمكن اعتبار تطور المرض أو انتشاره دليلاً على فشل العمل النفسي.

من النظرية إلى الخبرة العلاجية

من خلال عملي معالجة نفسية ومستشارة في التشفير البيولوجي، رافقت في جلساتي نساء مررن، أو ما زلن يمررن، بتجربة سرطان الثدي. وما يظهر في هذه اللقاءات ليس وجود «صراع واحد» يمكن تعميمه على جميع النساء. بل على العكس: لكل امرأة قصتها، ولكل جسد تجربته، ولكل مرض سياقه الإنساني الخاص.

في الجلسات، لا يكون الهدف البحث عن «الخطأ» الذي ارتكبته المرأة، أو عن حدث نفسي يمكن تحميله مسؤولية السرطان، بل العودة إلى تاريخها وتجربتها: ما الروابط التي كانت أساسية في حياتها؟ ما الذي تغير؟ ما الذي فقدته أو خافت فقدانه؟ ما الأدوار التي حملتها طوال سنوات؟ وكيف أثرت هذه الأدوار في بناء هويتها؟

في بعض التجارب، يظهر موضوع الحماية؛ وفي تجارب أخرى، يظهر الفقد أو الانفصال؛ وفي غيرها، تبرز العلاقة بالأبناء أو الشريك أو الأسرة. وأحياناً، لا يكون الرابط بالآخر هو المحور الأهم، بل رابط المرأة بنفسها: علاقتها بجسدها، وبأنوثتها، وبصورتها عن ذاتها، وبإحساسها بالأمان.

وهنا تحديداً تكمن، بالنسبة إليّ، قيمة المساحة العلاجية: ليس في الادعاء بتفسير السرطان، بل في السماح للمرأة بأن تفهم تجربتها، وتعيد تنظيم علاقتها بذاتها وبجسدها وبالآخر.

الشفاء أم التعافي؟

من المهم أيضاً التمييز بين الشفاء الطبي والتعافي النفسي.

قد ينتهي العلاج الطبي، لكن بعض آثار التجربة قد تستمر بعده. فقد تحتاج المرأة إلى استعادة الثقة بجسدها، والتصالح مع التغيرات التي طرأت عليه، وإعادة اكتشاف أنوثتها أو حميميتها، وإعادة تحديد علاقتها بالآخرين وبالأدوار التي اعتادت حملها.

لذلك، لا يعني التعافي النفسي، بالضرورة، العودة إلى الشخص الذي كانت عليه المرأة قبل المرض. فقد يعني بناء علاقة جديدة مع الذات والجسد والآخر.

البحث عن المعنى… لا عن الذنب

لذلك، فإن سؤال «لماذا الثدي؟» لا ينبغي أن يتحول إلى محاولة لإيجاد معادلة بين صراع نفسي معين وسرطان معين. السؤال ليس: أي صراع تسبب بالسرطان؟ بل يمكن أن يصبح: ماذا كان يحدث في حياة المرأة، وفي روابطها، وفي علاقتها بذاتها، عندما دخل المرض إلى قصتها؟ وكيف يمكن مرافقتها، اليوم، في فهم هذه التجربة والتعافي منها نفسياً؟

الطب يعالج المرض، أما العمل النفسي فيرافق الإنسان الذي يعيش المرض. وقيمة الوعي ليست في الوعد بحياة خالية من الصراعات، بل في القدرة على فهم ما يحدث في الداخل عندما تتغير الروابط والأدوار.

فخلف سؤال «لماذا الثدي؟» قد يوجد سؤال أعمق: ماذا يحدث لهوية المرأة عندما يهتز الرابط؟ وربما يفتح التعافي أمامها سؤالاً جديداً: كيف يمكن أن تعيد بناء علاقتها بذاتها، لا من خلال الأدوار التي تؤديها للآخرين فحسب، بل من خلال ما هي عليه هي؟

مقالات الكاتب

نانسي القاروط

معالجة نفسية ورئيسة قسم علم النفس التربوي في مركز «نفسانيون».