في بلدٍ تُرفع فيه راية مكافحة الفساد في كل مناسبة، قد تكون المفارقة الأكثر إثارة للصدمة أن تأتي المفارقة من داخل المؤسسة التي يفترض أن تكون في طليعة هذه المعركة. فملف المستدعية منى غياض مع الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والتفتيش المركزي لا يطرح مجرد خلاف على مستند، ولا مجرد شكوى إدارية بين مواطن وإدارة، بل يكشف، بحسب تسلسل القرارات والمستندات الموجودة في الملف، تناقضًا يفرض على الدولة والرأي العام طرح سؤال واضح: كيف تتعامل هيئة مكافحة الفساد مع ادعاء بالتلاعب في مستند رسمي صدر تنفيذًا لقرار كانت هي نفسها قد أصدرته؟
القصة تبدأ من قرار سابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ألزم رئيس التفتيش المركزي بتسليم المستدعية كشفًا محددًا. وبالفعل، تم تنفيذ القرار وتسليمها الكشف. حتى هنا، يفترض أن تكون الأمور واضحة: هيئة رقابية طلبت مستندًا، والجهة المعنية نفذت، والمستند أصبح بين يدي صاحبة الشكوى. لكن المفاجأة لم تكن في وصول الكشف، بل في مضمونه؛ إذ تقول المستدعية، مستندة إلى وثائق وكشوفات أخرى بحوزتها، إن الكشف الذي تسلمته تنفيذًا لقرار الهيئة لا يطابق الحقيقة والبيانات الأصلية، وإنها تعتبر أن ما ورد فيه يتضمن تلاعبًا وتزويرًا.
وهنا فعلت منى غياض ما يفترض أن يفعله أي مواطن عندما يعتقد أن مستندًا رسميًا قد تم التلاعب به: عادت إلى الجهة التي يفترض أن تحمي الحقيقة، وقدمت شكوى فساد جديدة أمام الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد نفسها. لم تطلب منها أن تصدق روايتها لمجرد أنها قالتها، ولم تطلب إدانة أحد من دون تحقيق، بل كان يفترض، ببساطة، أن تبدأ الآلية الرقابية الطبيعية: الاستماع إلى إفادتها، الاطلاع على المستندات التي تستند إليها، طلب الأصول، ومقارنة الكشف الذي سُلّم لها بالسجلات الأصلية الموجودة لدى الجهة المعنية.
لكن المفارقة التي تجعل هذا الملف مختلفًا وخطيرًا تكمن في أن المسار، بحسب ما يظهر من القرار الصادر في الشكوى الجديدة، لم يتجه إلى فتح تحقيق فعلي في مضمون الكشف، بل انتهى إلى اعتبار أنه لا يوجد ما يثبت وجود فساد أو تزوير.
وهنا تحديدًا يصبح السؤال الذي لا يمكن الهروب منه: كيف يمكن الوصول إلى نتيجة مفادها أنه لا يوجد ما يثبت التزوير، إذا كان جوهر الشكوى أصلًا هو المطالبة بالتحقيق في صحة الكشف ومطابقته للأصول؟ فإذا كانت المستدعية تقول إن لديها مستندات تثبت اختلافًا بين الكشف الذي تسلمته وبين السجلات والوثائق الأصلية، فإن الطريق الطبيعي ليس إغلاق الباب أمامها، بل فتح الملف والتحقق من هذه الفروقات. أين الأصل؟ أين الكشف؟ ماذا طلبت الهيئة في قرارها الأول؟ ماذا سلّم التفتيش المركزي؟ وهل ما سُلّم يطابق ما طلبته الهيئة ويطابق السجلات الرسمية؟
هذه ليست تفاصيل هامشية، بل هي جوهر القضية كلها.
والأكثر إثارة للاستغراب أن الشكوى الجديدة لا تتحدث عن ورقة مجهولة المصدر، بل عن مستند دخل في هذا المسار بعد قرار سابق صادر عن الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد نفسها. أي أن الهيئة أمام سلسلة واضحة: قرار صادر عنها، ثم تنفيذ للقرار، ثم مستند تم تسليمه، ثم شكوى تقول إن هذا المستند نفسه يتضمن تلاعبًا أو تزويرًا. وهنا كان يفترض أن تبدأ الحلقة الأهم: التدقيق في المستند الذي نتج عن تنفيذ قرار الهيئة. لكن بدل أن تتحول الشكوى إلى عملية مقارنة بين الأصل والنسخة والبيانات، انتهى الأمر، وفق ما تبيّنه المستدعية، إلى قرار يقول بعدم وجود ما يثبت الفساد.
وهذا ما يضع الهيئة أمام سؤال لا يمكن تجاهله: هل يكفي أن تقول الجهة المشكو منها إن المستند صحيح حتى تعتبر الهيئة أن التزوير غير مثبت؟ أم أن دور الهيئة هو أن تتحقق بنفسها؟
فمكافحة الفساد لا تكون بتبادل الكتب، ولا بتسليم النسخ، ولا بإغلاق الشكاوى بعبارات عامة. مكافحة الفساد تبدأ عندما يُقال للجهة المشكو منها: أعطونا الأصل. ثم تُوضع المستندات جنبًا إلى جنب، وتُقارن الأرقام والتواريخ والبيانات والتواقيع، ويُستمع إلى صاحب الشكوى ويُسأل تحديدًا عن مواضع التلاعب التي يدعيها، وبعدها فقط يمكن إصدار نتيجة تستند إلى تحقيق فعلي.
أما أن يقول المواطن: هذا الكشف مزور، وهذه مستنداتي التي تثبت ذلك، ثم لا يحصل على جواب واضح حول ما إذا كانت الأصول قد فُحصت وقورنت بالكشف المطعون فيه، فهنا لا يعود السؤال متعلقًا فقط بصحة الكشف، بل يصبح متعلقًا بكيفية ممارسة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد لدورها الرقابي.
ومن هنا، فإن العبارة الأخطر في هذا الملف ليست «تم تسليمها نسخة»، ولا «أجيب بصفة ساع»، بل العبارة التي يفترض أن تكون موجودة في نهاية أي تحقيق جدي: تمت مطابقة المستند مع الأصل، وتبيّن أن…. لأن هذه هي النقطة التي تفصل بين هيئة تقوم بعمل رقابي فعلي، وبين مسار إداري يكتفي بتحريك الأوراق من مكتب إلى آخر.
ولا أحد يطلب هنا إدانة رئيس التفتيش المركزي مسبقًا، ولا يريد تحويل الشكوى إلى حكم قضائي. المطلوب أبسط من ذلك بكثير: تحقيق مستقل وشفاف. فإذا كانت المستندات التي سلّمها التفتيش المركزي صحيحة، فلتثبت صحتها الأصول والسجلات. وإذا كانت هناك فروقات أو تلاعبات، فلتُحدد المسؤولية وفق القانون. أما أن تبقى الحقيقة معلقة بين قرار سابق للهيئة، وكشف تم تسليمه تنفيذًا له، وشكوى لاحقة تتحدث عن تزوير هذا الكشف، ثم قرار ينفي وجود ما يثبت الفساد، من دون أن يظهر بوضوح أين تمت المطابقة وكيف تمت المقارنة، فهذه دائرة مغلقة لا تحسم الحقيقة بل تؤجلها.
وهنا يصبح الملف، بكل ما يحمله من مستندات وقرارات، برسم رئيس مجلس الوزراء. فالمطلوب ليس أن يتبنى رواية المستدعية، ولا أن يحكم على رئيس التفتيش المركزي، ولا أن يتدخل بدل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. المطلوب أن يُطرح السؤال الرقابي في مكانه: هل جرى التحقيق فعلًا؟ وهل فُحصت الأصول؟ وهل قورنت بالكشف الذي سُلّم؟ وهل أُخذت إفادة صاحبة الشكوى بشأن نقاط التزوير التي تقول إنها حددتها؟
إذا كانت الإجابة نعم، فلتظهر نتيجة المقارنة بوضوح، ولتُعرض الحقيقة بالمستندات. وإذا كانت الإجابة لا، فالسؤال يصبح أكثر إلحاحًا: على أي أساس أُغلق باب الشكوى قبل الوصول إلى أصل النزاع؟ لأن القضية في نهاية المطاف ليست منى غياض وحدها، وليست رئيس التفتيش المركزي وحده، وليست حتى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وحدها. القضية هي صورة الدولة عندما يقول مواطن إن مستندًا رسميًا لا يعكس الحقيقة، ويطلب من أعلى جهاز رقابي مختص أن يتحقق، ثم يجد نفسه أمام قرار يقول إن الفساد غير مثبت، بينما يبقى السؤال الأساسي بلا جواب واضح: هل تمت مطابقة المستند مع الأصل أم لا؟
وهنا لا نحتاج إلى شعارات ولا إلى بيانات ولا إلى خطابات عن مكافحة الفساد. نحتاج فقط إلى شيء واحد: افتحوا الملف. أخرجوا الأصول. ضعوا الكشف الذي سُلّم أمام السجلات الأصلية. دققوا رقمًا رقمًا، وبيانًا بيانًا، وتاريخًا تاريخًا. ثم قولوا للرأي العام الحقيقة.
فإذا كان الكشف صحيحًا، فليظهر أنه صحيح بالدليل. وإذا كان غير صحيح، فلتُحدد المسؤولية. أما أن تبقى الهيئة التي ألزمت بتسليم الكشف هي نفسها أمام شكوى تقول إن الكشف الذي سُلّم تنفيذًا لقرارها يتضمن تزويرًا، ثم تنتهي القضية من دون أن يكون واضحًا للرأي العام كيف جرى فحص أصل المستند ومطابقته، فهنا يصبح السؤال مشروعًا ومحرجًا في آن واحد: هل نحن أمام هيئة تكافح الفساد فعلًا، أم أمام منظومة إدارية تستطيع أن تدور حول الملف دون أن تصل إلى الحقيقة؟
والآن، الملف برسم رئيس مجلس الوزراء. الحقيقة لا تحتاج إلى حماية من الأسئلة… الحقيقة تحتاج فقط إلى فتح الأصول.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
