لماذا لا نتعلّم من الدول التي تعرف كيف تحمي إنتاجها وتفتح الأسواق أمام مزارعيها وصناعييها؟ فبعض الدول، مثلاً، تُلزم المصدّر اللبناني، بعد تصديره الفواكه وغيرها من المنتجات، بأن يشتري بقيمتها منتجات من البلد المستورِد، فتتحرّك التجارة في الاتجاهين ويستفيد البلدان. أمّا في لبنان، فتُفتح الحدود أمام المستوردات الغذائية على أنواعها، بينما يُترك التفاح والعنب والبطاطا والحمضيات، وغيرها من المواسم اللبنانية، لمصيرها، ويُترك الصناعي يفتّش وحده عن أسواق لمنتجاته، وكأنّ التصدير شأن شخصي لا مسؤولية وطنية.
ولا بدّ هنا من التنويه بعمل بعض البعثات الدبلوماسية اللبنانية في الخارج، حيث يقوم رئيس البعثة وأفراد طاقم السفارة بتسويق المنتج اللبناني بحماسة لافتة.
وعليه، ما المانع من أن يُقال بوضوح لكل دولة تريد تصدير منتجاتها إلى لبنان: مقابل ما يدخل من بضائعكم، عليكم أن تستوردوا من إنتاجنا الزراعي والصناعي؟ مَن يريد أسواقنا، عليه أن يفتح أسواقه أمامنا. أمّا أن ندفع بالدولار لشراء منتجات الخارج، ثم نتفرّج على مواسمنا وهي تتكدّس وتتلف، ونترك مصانعنا تخسر أسواقها، فهذه ليست تجارة حرّة، بل استنزاف منظّم للاقتصاد اللبناني، تتحمّل مسؤوليته الحكومات التي سمحت باستمراره.
وهنا، لم يعد الكلام عن ضعف في الأداء أو غياب للرؤية، بل عن تقصير فاضح بحق الصناعيين والمزارعين. فالوزارات والإدارات العامة المعنية تعرف حجم الكارثة، لكنها لم تستخدم السوق اللبنانية ورقةَ قوة وضغط لحماية الإنتاج الوطني.
لذلك، أصدقائي، نطالب اليوم بسياسة رسمية ملزمة تقوم على المعاملة بالمثل والمقايضة التجارية، وربط جزء من إجازات الاستيراد بفتح أسواق مقابلة للمنتجات اللبنانية. كما نطالب بنشر تقرير دوري يوضّح ماذا فعلت كل وزارة وسفارة لتسويق الإنتاج الوطني.
فلم يعد مقبولاً الاختباء خلف الدراسات والوعود واللجان، فيما المزارع يقتلع أشجاره والصناعي يخسر قدرته على المنافسة. ومَن يفتح أسواق لبنان أمام بضائع العالم، ولا يفتح أسواق العالم أمام بضائع لبنان، لا يدير الاقتصاد، بل يشارك في ضربه. والسكوت عن هذا التقصير لم يعد عجزاً إدارياً فحسب، بل مسؤولية وطنية تستوجب المساءلة والمحاسبة.

نقولا أبو فيصل
رئيس تجمّع الصناعيين في البقاع.
