تركّز جانب كبير من التعليقات بشأن الحرب في إيران على التساؤل عمّا إذا كانت التكاليف المتصاعدة لعملية «الغضب الملحمي» تستحق العناء. غير أن السؤال الأكثر شيوعًا الذي أسمعه الآن هو: كيف سينتهي كل ذلك؟ قد يجد الرئيس دونالد ترمب نفسه اليوم مضطرًا إلى الاختيار بين أهون خيارات ثلاثة غير جذابة: تصعيد حاد؛ أو خفض تصعيد تصالحي؛ أو استمرار حالة الجمود الراهنة بكل ما يكتنفها من فوضى وتعقيد.
يتمثل النهج الأول في محاولة شق طريق الخروج بالقوة العسكرية. وتفيد التقارير بأن ترمب يفكر جديًا في هذا الخيار، بعدما قال (قبل أيام) إنه يدرس استئناف الضربات المستمرة والعالية الكثافة، على غرار تلك التي نُفذت في بداية عملية «الغضب الملحمي».
طبعًا، تستطيع الولايات المتحدة استهداف البنية التحتية الحيوية الإيرانية، بما في ذلك منشآت النفط والغاز، ومحطات توليد الكهرباء، والبنية التحتية الأساسية للنقل، ومنشآت تحلية المياه، أملًا في إلحاق مزيد من الفوضى والضرر بالاقتصاد والمجتمع الإيرانيين. لكن المنطق القاسي الكامن وراء هذا النهج واضح، وقد تجنبناه لأسباب وجيهة.
فضربات من هذا النوع قد تتسبب بأزمة إنسانية في إيران، وتشوّه المكانة الأخلاقية للولايات المتحدة، من دون أن تضمن بأي حال استسلام النظام. هذا فضلًا عن صندوق باندورا الذي قد تفتحه «الحرب الشاملة»، إذ ستضع البنية التحتية الحيوية لدول الخليج، ومنشآت الطاقة وتوليد الكهرباء، ومراكز التجمعات السكانية المدنية، ناهيك بمحطات تحلية المياه، في صدارة قائمة الأهداف الإيرانية.
وقد يقرر ترمب أيضًا نشر قوات برية بما في ذلك بهدف السيطرة على جزيرة خرج – التي تمر عبرها الحصة الكبرى من صادرات النفط الإيرانية – وتأمين شريط من الأراضي الإيرانية المحاذية لمضيق هرمز لضمان العبور الآمن للسفن التي تجتاز المضيق. غير أن عمليات كهذه ستعرّض آلاف العسكريين الأميركيين وقطعًا بحرية أميركية بالغة الأهمية للخطر.
كما يمكن للولايات المتحدة أن تستأنف استهداف كبار القادة الإيرانيين. إلا أن النظام أثبت قدرة لافتة على تعويض قياداته، وربما حتى على زيادة صلابته وتصميمه، في أعقاب ضربات من هذا النوع.
وهذا يقودني إلى الخيار الثاني الذي يمكن للرئيس أن يدرسه: خفض التصعيد. غير أن هذا الخيار ينطوي، من الناحية العملية، على خطر ظهوره بمظهر الاستسلام. فقد تقلّص الولايات المتحدة وجودها العسكري بصورة كبيرة، وتعلن النصر، مرة أخرى، في ما يتعلق بمعظم الأهداف العسكرية المعلنة لعملية «الغضب الملحمي»، وتقبل، ولو إلى حد ما، بسيطرة إيران على مضيق هرمز.
لقد أصبحت تكاليف الحرب باهظة بالفعل، وليس واضحًا ما إذا كان الرئيس أو الشعب الأميركي مستعدين لتحمّلها. وتُظهر استطلاعات رأي جديدة أن 68 في المئة من الأميركيين يعتقدون أن الحرب مع إيران لم تكن «جديرة بالقتال». ثم، إلى جانب ذلك، تبرز التكاليف الاستراتيجية، وفي مقدمها الاستنزاف الإضافي والمتسارع لمخزونات الذخيرة، التي تعاني أصلًا نقصًا، وإعادة نشر القوات وسحبها من مسارح ذات أولوية، مثل منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وقد يشجّع ذلك الصين على الشروع بتحركات انتهازية في مضيق تايوان.
كذلك، سيكون من الصعب تسويق هذا الخيار سياسيًا. فإذا نفذت الولايات المتحدة بنود مذكرة تفاهم إسلام آباد كما وردت حرفيًا، ستظل إيران قادرة على خنق الملاحة في مضيق هرمز متى شاءت، أو على الأقل فرض رسوم على العبور، فيما تؤجل إلى وقت غير محدد أي نقاش جدي في القضايا العالقة المتعلقة ببرنامجها النووي.
كما أن خفض التصعيد من جانب واحد سيقوّض ثقة شركائنا في المنطقة – وفي مناطق أخرى – بالولايات المتحدة بوصفها ضامنًا موثوقًا للأمن.
غني عن القول إن خيارَي التصعيد وخفض التصعيد المطروحين أمام ترمب يفتقران كلاهما إلى الجاذبية. لذا، فهو حاول، على نحو مفهوم، رسم مسار وسط، يقوم على استراتيجية «ضربة مقابل ضربة»، بالتزامن مع تقديم عروض جديدة لإبرام اتفاق، بحيث يتحرك المساران العسكري والدبلوماسي في الوقت نفسه. لكن لم يتضح بعد ما إذا كان هذا النهج مرشحًا للنجاح على أيٍّ من الجبهتين.
معلوم أن التكاليف تتراكم يومًا بعد يوم، فيما لا تزال النتيجة النهائية غير واضحة المعالم. لكن، بالنظر إلى مخاطر تبنّي نهج أكثر تساهلًا أو أكثر تشددًا بصورة ملحوظة، قد يتحول الصراع الراهن في المضيق إلى واقع جديد قائم ودائم.
فمضيق هرمز ليس مفتوحًا بالكامل ولا مغلقًا بالكامل. أما أسعار النفط، فهي مرتفعة، لكنها لا تبدو، حتى اليوم على الأقل، مرتفعة إلى درجة تشل الاقتصاد العالمي. وفي غياب اختراق على الجبهة العسكرية أو الدبلوماسية، تتصلب هذه الحالة وتتحول تدريجيًا إلى واقع ثابت.
إذًا، إلى متى يمكن أن يستمر كل ذلك؟
طرح عالِم الفيزياء الفلكية جيه. ريتشارد غوت قاعدة تقريبية سيئة الصيت، مفادها أنه في غياب معلومات أفضل، تتساوى احتمالات استمرار ظاهرة ما لمدة لا تقل عن المدة التي سبق واستغرقتها.
وبحسب هذه الحسابات القاتمة، فإن حالة الجمود المستمرة منذ خمسة أشهر في المضيق تملك فرصة متساوية للاستمرار حتى نهاية هذا العام. ثم هناك دائمًا أسواق التوقعات. إذ تشير التقديرات إلى احتمال بنسبة 50 في المئة لعودة حركة السفن التجارية في مضيق هرمز «إلى طبيعتها» بحلول نهاية عام 2026 – وهو تعبير يُستخدم كمؤشر على انتهاء الصراع.
على هذا المنوال، تتوافق «حكمة الجمهور»، بصورة شبه تامة، مع تقديرات عالِم فيزياء فلكية من جامعة برينستون. يا للمفارقة.
ترجمة بتصرف
بقلم / مايكل فرومان – رئيس مجلس العلاقات الخارجية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
