نجحوا في امتحان الدولة فسقطوا في امتحان الطائفة

93 أمين صندوق رهائن مرسوم مفقود منذ 2018

ثماني سنوات انقضت، ولا يزال 93 ناجحاً في مباراة مجلس الخدمة المدنية للتعيين في وظيفة أمين صندوق في ملاك وزارة الاتصالات ينتظرون أن يتحول نجاحهم المثبت إلى تعيين فعلي. فالملف اجتاز مراحل إدارية وتشريعية عدة، وحُفظت حقوق أصحابه بقرار حكومي وبنصوص صريحة أُدرجت في قوانين الموازنة، لكنه بقي عالقاً بلا خاتمة إدارية، وبلا جواب رسمي يحدد الجهة التي أوقفته أو يفسر أسباب إبقائه في دائرة الانتظار.

بدأت القضية عندما أجرت الدولة، بواسطة مجلس الخدمة المدنية، مباراة رسمية خُصصت أساساً لملء 30 مركزاً شاغراً في وظيفة أمين صندوق في وزارة الاتصالات. حينها لم يدخل المرشحون إلى الوظيفة من بوابة الواسطة أو التعيين الاستثنائي، إنما تقدموا إلى مباراة رسمية تنافس فيها أكثر من ألفي متبارٍ، وخضعوا للآلية التي وضعتها الدولة نفسها لاختيار الأكثر استحقاقاً وكفاءة.

وفي الأول من شباط 2018، أصدر مجلس الخدمة المدنية القرار رقم 2/40، المتضمن النتائج النهائية للمباراة الرامية إلى التعيين في وظيفة أمين صندوق في ملاك وزارة الاتصالات. وأسفرت النتائج عن نجاح 93 مرشحاً. وكان يُفترض أن يشكّل إعلان أسمائهم خاتمة مسار المباراة وبداية إجراءات تعيينهم، غير أن النتيجة جاءت معاكسة تماماً: انتهى الامتحان، وثبت النجاح، وبدأت معه رحلة تعطيل مفتوحة.

فمنذ صدور النتائج، دخل الناجحون في مسار طويل من الانتظار والمراجعات والمطالبات، فيما ظل مرسوم التعيين عالقاً، على الرغم من أن الملف اجتاز مراحل إدارية عدة ووصل، بحسب ما نُشر في حينه، إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء.

حق مثبت… وتعيين معلّق

لم يكن حق الناجحين، من الناحية الرسمية، متروكاً للصدفة أو للاجتهاد الإداري. ففي 21 أيار 2018، أصدر مجلس الوزراء قراراً يقضي بحفظ حقوق الناجحين في مباريات مجلس الخدمة المدنية. ثم جاءت قوانين الموازنات العامة اللاحقة لتكرّس هذا المبدأ، إذ نصّت على حفظ حقوق الناجحين في المباريات والامتحانات التي أجراها مجلس الخدمة المدنية وأُعلنت نتائجها وفق الأصول، وذلك بتعيينهم في الإدارات المعنية.

وبذلك، لم يعد الملف محصوراً بنتيجة مباراة إدارية فحسب، بل أصبح مستنداً إلى قرار صادر عن مجلس الوزراء وإلى نصوص تشريعية أقرّها مجلس النواب ضمن قوانين الموازنة. فالسلطتان التنفيذية والتشريعية ثبّتتا حق الناجحين، فيما بقي التنفيذ معطلاً من دون مسوغ معلن.

هذه الوقائع تضع الإدارة أمام تناقض لا يحتمل الالتباس: حق حُفظ بقرار حكومي، وثُبّت بنصوص تشريعية، ثم تُرك ثماني سنوات من دون ترجمة عملية. ولم يعد المطلوب إثبات حق الناجحين، بعدما ثبّتته الدولة نفسها، بل تحديد الجهة التي حالت دون استكمال إجراءات تعيينهم، والسند الذي استندت إليه في ذلك.

«العقدة الطائفية»… شرط بلا سند معلن

تزداد القضية التباساً مع المعلومات المتداولة التي تشير إلى أن إحدى العقد التي حالت، في مرحلة من المراحل، دون استكمال التعيين ارتبطت بغياب التوازن الطائفي بين الناجحين.

غير أن وظيفة أمين الصندوق ليست من وظائف الفئة الأولى التي تتناولها المادة 95 من الدستور في إطار مقتضيات التمثيل الطائفي. وفي المقابل، تنص المادة 12 من الدستور على حق كل لبناني في تولّي الوظائف العامة، وعلى انتفاء أي ميزة لأحد على الآخر إلا من حيث الاستحقاق والجدارة، وفقاً للشروط التي ينص عليها القانون.

وبذلك، يكون مفهوم التوازن الطائفي قد انتقل، إن صحّت المعلومات المتداولة، إلى وظيفة أمين صندوق من دون إبراز أساس قانوني أو إداري معلن يجيز استخدامه لعرقلة صدور مرسوم التعيين. فإخضاع وظيفة إدارية تُشغل بناءً على مباراة رسمية لمعيار طائفي غير مدرج في شروطها يحوّل قاعدة الاستحقاق إلى نص معلن نظرياً ومعطّل عملياً.

في بلد العجائب، يبدو أن منطق التوزيع الطائفي بات يلاحق الوظائف حتى أدنى درجات السلم الإداري، مع كامل الاحترام لجميع العاملين في هذه الوظائف، ومن بينهم البوّابون وسائر الموظفين والعاملين في الإدارات العامة. ووفق هذا المنطق، يصبح تعيين أمين صندوق، أو أي موظف في وظيفة إدارية خاضعة لمباراة مجلس الخدمة المدنية، رهناً بما يسمى «التوازن الطائفي»، حتى في غياب نص قانوني معلن يفرض هذا الشرط على الوظيفة المعنية.

ولو كان هذا الشرط واجب التطبيق فعلاً، لكان من البديهي إدراجه بوضوح في النصوص الناظمة للمباراة وإعلانه أمام المرشحين قبل تقدمهم إليها، لا استحضاره بعد صدور النتائج واكتمال مسار الاختيار. أما تطبيق معيار غير معلن بأثر لاحق، فيقوّض مبدأ تكافؤ الفرص ويضع المتبارين أمام قواعد لم يكونوا على علم بها عند دخولهم المباراة.

وليست المسألة مطالبة بإلغاء التوازن الوطني أو بتجاهل أحكام الدستور، بل بإلزام الإدارة بتحديد القاعدة القانونية المنطبقة على كل وظيفة، وبإعلان شروط التعيين ومعاييره لجميع المرشحين قبل بدء المباراة. فالمعيار الذي لا يظهر إلا بعد صدور النتائج لا يعود شرطاً قانونياً منظماً للمباراة، بل يتحول إلى أداة لتعطيل مفاعيلها.

لقد دخل الناجحون من بوابة المباراة والكفاءة، لا من بوابة المحاصصة الطائفية. وعندما تختار الدولة المباراة الرسمية معياراً للوصول إلى الوظيفة العامة، لا يجوز لها أن تفاجئ الناجح، بعد اجتيازه الاختبارات، بامتحان آخر لم يُعلن عنه مسبقاً: امتحان الانتماء الطائفي.

وإذا كانت ثمة اعتبارات إضافية تتعلق بالتوازن أو التوزيع، فمن حق المتبارين معرفتها قبل خوض المباراة، ومن واجب الإدارة تضمينها النصوص والشروط الناظمة لها. أما إبقاء الناجحين سنوات في دائرة الانتظار، بعد اجتيازهم جميع المراحل التي فرضتها الدولة، فيعني تحميلهم تبعات شروط لم يضعوها، وخلافات لم يكونوا طرفاً فيها، واعتبارات لم تظهر إلا بعد ثبوت نجاحهم.

ثماني سنوات من الانتظار… ومسؤولية لا تسقط

إن قضية الناجحين الـ93 تتصل مباشرة بمعنى المباراة الرسمية وبصدقية الدولة في التعامل مع نتائجها. وهي تتجاوز حدود التوظيف المؤجل لتصيب جوهر الثقة بالإدارة العامة: فإما أن يكون النجاح والكفاءة معيار الوصول إلى الوظيفة، وإما أن تصبح المباراة مجرد محطة أولى تليها اختبارات غير معلنة تحكمها موازين المحاصصة.

إن إبقاء هذا الملف معلّقاً يفتح نقاشاً أوسع حول دور مجلس الخدمة المدنية، وقيمة المباريات التي يجريها، ومدى التزام الإدارات العامة بنتائجها. فلا جدوى من تنظيم مباراة رسمية، واستقبال أكثر من ألفي مرشح، وإجراء الامتحانات وإعلان النتائج، إذا كانت التعيينات ستبقى، في نهاية المطاف، رهينة اعتبارات لم تُدرج أصلاً في شروط المباراة.

كما يضع استمرار التأخير الإدارة أمام مسؤولية مباشرة في توضيح الأسباب الفعلية التي حالت دون إصدار المرسوم، ولا سيما أن حقوق الناجحين لم تعد مستندة إلى نتائج المباراة وحدها، بل إلى قرار حكومي وإلى نصوص أُدرجت في قوانين الموازنة العامة.

وبعد ثماني سنوات من الانتظار، لم يعد ثمة مكان لوعود جديدة أو مواعيد إضافية. المطلوب جواب رسمي واضح ومحدد يكشف أين أصبح مرسوم تعيين أمناء الصناديق الناجحين، وفي أي إدارة أو جهة رسمية توقف، وما السند القانوني الذي حال دون استكماله حتى اليوم.

وإذا كانت مسألة التوازن الطائفي هي السبب الحقيقي وراء تجميد الملف، فإن المسؤولية تقتضي إعلان الجهة التي اتخذت قرار التعطيل، وتحديد النص الدستوري أو القانوني أو التنظيمي الذي استندت إليه، وشرح أسباب عدم معالجة المسألة منذ عام 2018، بدلاً من إبقاء 93 ناجحاً في حالة انتظار مفتوحة.

أما إذا كانت هناك أسباب إدارية أو مالية أو قانونية أخرى، فمن حق الناجحين والرأي العام الاطلاع عليها بوضوح، بدلاً من إبقاء الملف أسير المعلومات المتداولة والتفسيرات غير الرسمية. فالصمت الإداري لا يشكّل جواباً، وطول مدة التعطيل لا يحوّل الإجراء الاستثنائي إلى قاعدة، ولا يُسقط حقاً سبق للدولة أن اعترفت به وحفظته.

من نجح في مباراة رسمية أُجريت وفق الأصول، وحُفظ حقه بقرار حكومي وبنصوص واردة في قوانين الموازنة، يستحق، في الحد الأدنى، معرفة سبب إبقاء هذا الحق معلّقاً طوال هذه السنوات، وتحديد الجهة التي تتحمل مسؤولية إبقاء الملف في دائرة الانتظار.

أما السؤال الذي بدأ عام 2018، فلا يزال وحده قائماً بعد سقوط كل مبررات الصمت والتأجيل: أين أصبح المرسوم؟

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.