لا بدّ، بادئ ذي بدء، من تبرير اختصاص المجلس الدستوري (القسم الأول)، قبل الانتقال إلى تحصين القانون بالتحفّظات التفسيرية الملزمة (القسم الثاني).
القسم الأول: في تبرير اختصاص المجلس الدستوري
أسند المجلس الدستوري اختصاصه إلى «مبدأ وضوح التشريع ذي القيمة الدستورية». ويفرض هذا المبدأ على المشترع اعتماد أحكام دقيقة بما فيه الكفاية وصياغة لا لبس فيها، ولا سيما في المواد الجزائية. فالغموض، بحسب المجلس الدستوري، يفسح المجال أمام تطبيق القانون بصورة استنسابية وبطرق ملتوية، تسيء إلى العدالة والمساواة بين المواطنين. كما أن الغموض الذي يترك هامشًا للاستنسابية يتعارض مع مبدأ فقه القانون ووضوحه ذي القيمة الدستورية.
وتابع المجلس الدستوري أن الغموض الذي يشوب هذه البنود، وإن كان يكشف عن صياغة تشريعية غير سليمة، لا يبلغ حدًّا يحول دون فقه النصّ كليًا ويبرّر إبطاله؛ إذ يمكن رفعه بتفسير يستند إلى سائر أحكام القانون، وإلى المفاهيم القانونية المستقرّة في قانون العقوبات، وإلى الطابع الاستثنائي للعفو الذي يوجب تفسيره تفسيرًا ضيّقًا، وإلى الأحكام الدستورية والالتزامات الدولية التي يلتزم بها لبنان. ومتى رُفع هذا الغموض على هذا الوجه، انتفى خطر تحوّل العفو إلى قاعدة عامة للإفلات من العقاب.
وأضاف المجلس الدستوري أن إبطال القانون المطعون فيه سيؤدّي إلى حرمان جميع المستفيدين من العفو، ومنهم الموقوفون منذ سنوات طويلة من دون محاكمة، من منحة قرّرها المجلس النيابي لغاية مشروعة، في حين أن التحفّظ التفسيري الملزم يحقّق الغاية ذاتها، أي ضمان وضوح النصّ ووحدة تطبيقه والمساواة أمامه، بوسيلة أقلّ مساسًا بإرادة المشترع.
وأضاف المجلس الدستوري أنه يعود له، متى احتمل النصّ أكثر من تفسير، أن يستبعد التفسير المخالف للدستور، ويعتمد التفسير الذي يجعله متوافقًا معه، فتكون التحفّظات التفسيرية التي يقرّرها ملزمة لجميع السلطات العامة والمراجع القضائية والإدارية، بما يضمن وحدة تطبيق القانون ويحول دون الاجتهادات المتناقضة.
وتبعًا لذلك، رُدّ طلب الإبطال، واعتُبرت المواد المطعون فيها غير مخالفة للدستور، شرط التقيّد بالتحفّظات التفسيرية الملزمة، كما سنأتي على بيانه أدناه.
غير أن المجلس الدستوري «أفرط» في بعض التفسيرات، كما سنبيّن في معرض تطرّقنا إلى التحفّظات التفسيرية الملزمة التي صدرت عنه.
القسم الثاني: تحصين قانون العفو بالتحفّظات التفسيرية الملزمة
قضى المجلس الدستوري بردّ المراجعة في الأساس، وتحصين القانون بالتحفّظات التفسيرية الملزمة التالية:
أ ـ في المادة الأولى:
حصر عبارة «القرارات بما فيها الإدارية»، الواردة في الفقرة الثانية من المادة الأولى، بالتدابير التي تشكّل نتيجة مباشرة للملاحقة أو الإدانة الجزائية المعفوّ عنها، دون العقوبات التأديبية المستقلّة، ومع صون حقوق الغير:
علّل المجلس الدستوري قراره هنا بأن عبارة «والقرارات بما فيها الإدارية» تحتمل تفسيرين:
ـ الأول يجعلها شاملة لكلّ قرار إداري صادر بحقّ موظّف، بما فيه العقوبات التأديبية المستقلّة، مع ما يترتّب على ذلك من إعادة إلى الوظيفة واسترداد للرواتب، ومن مساس بالمراجعات القضائية العالقة.
ـ والثاني يحصرها بالتدابير الإدارية التي تشكّل أثرًا مباشرًا للملاحقة أو الإدانة الجزائية المعفوّ عنها، بحيث تكون هذه التدابير متّصلة بالدعوى العامة التي سقطت.
وتابع المجلس الدستوري أن التفسير الأول يؤدّي إلى مخالفة مبدأ الفصل بين السلطات، ومبدأ استقلال القضاء، ومبدأ وضوح التشريع. أما التفسير الثاني، فينسجم مع طبيعة العفو الشامل بوصفه مؤسسة جزائية، ومع النطاق الذي رسمه له البند 9 من المادة 53 من الدستور. وهو محقّ في ما ذهب إليه هنا.
ب ـ اعتماد تاريخ 1/3/2026 حدًّا زمنيًا لجميع الجرائم المشمولة بالعفو، بما فيها جرائم المخدّرات وزراعتها:
حصرت المادة الأولى النطاق الزمني لتطبيق القانون بالجرائم الحاصلة قبل الأول من آذار 2026، في حين أن الفقرتين الأولى والثالثة من البند الخامس من المادة الثانية تضمّنتا عبارتَي «المرتكبة قبل صدور هذا القانون» و«في حال كانت مرتكبة قبل صدور هذا القانون»، بالنسبة إلى جرائم المخدّرات وزراعتها.
وعلّل المجلس الدستوري قراره بما يلي: إن اعتماد تاريخ سابق للتصويت على القانون حدًّا زمنيًا للعفو، وهو تاريخ الأول من آذار 2026، يدخل في السلطة التقديرية للمشترع، وهو تقدير مبرّر بموضوعه؛ إذ يحول دون أن يتحوّل العفو إلى حافز على ارتكاب الجرائم في الفترة التي تسبق إقراره أو تواكب مناقشته. غير أن تفسير هاتين العبارتين الأخيرتين على نحو يمدّ العفو إلى جرائم لاحقة لتاريخ الأول من آذار 2026 يؤدّي إلى إخلال بالمساواة بين مرتكبي جرائم متماثلة في الفترة ذاتها، وإلى منح عفو عن أفعال ارتُكبت بعد بدء النقاش العام في القانون أو بعد التصويت عليه، ما يوجب إبطال عبارة «والمرتكبة قبل صدور هذا القانون» من الفقرة الثانية من البند الخامس من المادة الثانية، وعبارة «في حال كانت مرتكبة قبل صدور هذا القانون» من الفقرة الثالثة من البند إيّاه، بحيث يُعتمد تاريخ 1/3/2026 حدًّا زمنيًا موحّدًا لجميع الجرائم المشمولة بالعفو، بما فيها جرائم المخدّرات وزراعتها. وهذا توجّه صحيح اعتمده المجلس الدستوري.
2 ـ في المادة الثانية:
أ ـ تفسير «التكرار» في البند 5 من المادة الثانية وفق مفهومه القانوني في قانون العقوبات:
فسّر القرار «التكرار» هنا وفقًا لما يلي:
إن البند 5 من المادة الثانية ينصّ على أنه «لا يستفيد من قانون العفو مرتكبو جنايات التكرار بالمخدّرات التي تزيد عن المرّة الثانية، والمرتكبة قبل صدور هذا القانون، سواء صدرت أم لم تصدر بها أحكام قضائية»؛ في حين أنه لا وجود لجناية «تكرار المخدّرات»، وأن التكرار، بمفهومه القانوني المنصوص عليه في قانون العقوبات، لا يتحقّق إلّا بصدور حكم سابق مبرم، ولا تكفي الملاحقة دليلًا عليه.
ولكن تفسير القرار لـ«التكرار» هنا أتى ناقصًا؛ إذ إن «التكرار» غير المشمول بالعفو لا يكون لمرّة واحدة، بل لأكثر من مرّتين؛ أي إن المكرّر الذي صدر بحقّه حكمان مبرمان يستفيد من العفو، ولا يُستثنى من الاستفادة منه سوى من صدرت بحقّه ثلاثة أحكام مبرمة أو أكثر.
ب ـ اعتبار استثناء «جميع جرائم المخدّرات المرتكبة من قبل العسكريين وعناصر المؤسسات الأمنية» شاملًا جرائم الزراعة المرتكبة من قبلهم:
قرّر المجلس الدستوري اعتبار استثناء «جميع جرائم المخدّرات المرتكبة من قبل العسكريين وعناصر المؤسسات الأمنية» شاملًا جرائم الزراعة المرتكبة من قبلهم.
ونحن لا نوافقه على اعتماد هذا التفسير؛ لأن جرائم زراعة المواد المخدّرة مشمولة بالعفو، بمعزل عن الجهة التي ارتكبتها، فقد جاء النصّ مطلقًا لجهة عدم استثناء هذه الجريمة من العفو. وفي حين أن جرائم المخدّرات المرتكبة من قبل العسكريين وعناصر المؤسسات الأمنية مستثناة من العفو، فلا يجوز تغليب النصّ الذي يجرّم المرتكب على النصّ الذي يعفي من الجرم عينه، بل يجب تغليب الطابع العيني للجريمة على الطابع الشخصي، واعتبار جرائم المخدّرات المرتكبة من قبل العسكريين والأمنيين غير مشمولة بالعفو، باستثناء جرائم زراعة المخدّرات، التي لم تُستثنَ من العفو على أساس موضوعي لا شخصي، والتي يقتضي شمولها بالعفو.
ج ـ تفسير عبارة «الخاضعة للملاحقة»، الواردة في البند 6 من المادة الثانية، بأنها تشمل جميع أنواع التعدّي القابلة للملاحقة وتلك التي هي قيد الملاحقة:
فسّر المجلس الدستوري عبارة «الخاضعة للملاحقة» وفقًا لما يلي:
لا يُفهم من عبارة «الخاضعة للملاحقة» ما إذا كانت تعني «القابلة للملاحقة» أم تلك التي هي «قيد الملاحقة». والأخذ بالتفسير الثاني وحده يؤدّي إلى إعفاء جميع التعدّيات التي لم تبدأ ملاحقتها، مهما كانت أهميتها، وبالتالي إلى هدر حقوق الدولة والمتضرّرين. لذلك، اعتبر المجلس أن عبارة «الخاضعة للملاحقة»، الواردة في البند 6 من المادة الثانية، تُفسَّر بأنها تشمل جميع أنواع التعدّي القابلة للملاحقة وتلك التي هي قيد الملاحقة.
ولكننا نرى أن هذا التفسير لا يتوافق مع إرادة المشترع ولا مع الطبيعة الاستثنائية للنصّ؛ إذ يُقصد بعبارة «الخاضعة للملاحقة» جرائم التعدّي التي هي قيد الملاحقة، وليس جرائم التعدّي القابلة للملاحقة على إطلاقها. فتفسيرنا يتوافق مع إرادة المشترع الحقيقية ومع الطابع الاستثنائي للنصّ، الذي يفرض تفسيره تفسيرًا حصريًا.
د ـ اعتبار استثناء «جرائم التزوير»، الوارد في البند 8 من المادة الثانية، شاملًا جميع جرائم التزوير المنصوص عليها في قانون العقوبات:
جاء في قرار المجلس الدستوري أن البند 8 من المادة الثانية ينصّ على «جرائم التزوير وتقليد النقد الوطني الأجنبي…»، وأن إدخال «أل» التعريف على كلمة «التزوير» يثير الالتباس حول ما إذا كان الاستثناء يشمل جميع جرائم التزوير الواردة في المواد من 453 حتى 472 ضمنًا من قانون العقوبات، أم يقتصر على التزوير الوارد تحت عنوان «في تقليد خاتم الدولة والعلامات الرسمية والعملة والأسناد المالية العامة»، موضوع المواد من 437 حتى 451 من قانون العقوبات.
ورأى المجلس الدستوري أنه يقتضي تفسير استثناء «جرائم التزوير»، الوارد في البند 8 من المادة الثانية، على أنه يشمل جميع جرائم التزوير المنصوص عليها في قانون العقوبات.
من جهتنا، لا نوافق المجلس الدستوري على تحفّظه التفسيري هذا للسببين التاليين:
أولًا، لأن إدخال «أل» التعريف لا ينبغي أن يؤدّي إلى تفسير هذه المادة حرفيًا للخلوص إلى عدم شمول جرائم التزوير بالعفو؛ إذ إن كلمة «التزوير» وردت في سياق آخر مختلف، يحملنا على الجزم بأن المقصود من النصّ هو «تزوير العملة»، وليس التزوير بمفهومه العام، خصوصًا أن عنوان البند 2 من الفصل الأول في الباب الخامس من قانون العقوبات جاء كما يلي: «في تزوير العملة والأسناد العامة».
ثانيًا، لأن التفسير الحرفي، أو اللغوي، للنصوص التي تحتمل أكثر من تفسير هو أسوأ طرق التفسير؛ إذ يجب أن يُفسَّر النصّ في سياق الفكرة التي ورد فيها، من دون الوقوف عند معناه الحرفي [1].
هـ ـ عدم حصر جرائم الفساد المستثناة من العفو بما ورد في البندين 9 و10 من المادة الثانية، بل اعتبار الاستثناء شاملًا جميع جرائم الفساد المنصوص عليها في القوانين المرعيّة الإجراء والاتفاقيات الدولية التي يلتزم بها لبنان، في القطاعين العام والخاص، وجميع المتورّطين فيها، أيًّا كانت مكانتهم وصفتهم ودورهم، مع التأكيد أن العفو لا يحول دون تحصيل حقوق الدولة بوصفها متضرّرة، ولا دون إجراءات المصادرة واسترداد الأموال المتأتّية من جرائم الفساد:
جاء في قرار المجلس الدستوري، تبريرًا لهذا التحفّظ التفسيري، أن مبدأ التناسب يشكّل مرتكزًا مهمًا لتحليل دستورية قوانين العفو الشامل. فإذا كانت معالجة أوضاع إنسانية، أو اكتظاظ السجون، أو تحقيق مصالحة وطنية، أو معالجة اختلالات تشريعية أو قضائية محدّدة، أهدافًا مشروعة لقانون العفو، فإنه يقتضي الموازنة بين المنفعة العامة التي يحقّقها العفو والأضرار الدستورية والقانونية التي يمكن أن تترتّب عليه. فكلّما اتّسع نطاق العفو، اتّسعت معه الحاجة إلى تبرير العلاقة بين الجرائم المشمولة به والغاية العامة التي يستهدفها التشريع.
وأضاف المجلس الدستوري أن المشترع، وإن كان يتمتّع، بموجب المادة 53 من الدستور، بصلاحية منح العفو الشامل واستثناء ما يراه من الجرائم، فإن هذه الصلاحية لا يمكن أن تُمارَس بمعزل عن المبادئ ذات القيمة الدستورية التي تحكم عمل السلطات العامة، وفي مقدّمتها العدالة الاجتماعية والمساواة وسيادة القانون وحماية الصالح العام. فتفسير الاستثناءات المتعلّقة بالفساد تفسيرًا حصريًا يُبقي العديد من الجرائم المتشابهة من حيث الخطورة مشمولة بالعفو، بما يُخلّ بهذه المبادئ.
وتابع المجلس الدستوري أن هذا الإخلال لا يكمن في مبدأ العفو ولا في نطاقه العام، بل في تفسير معيّن للبندين 9 و10، وهو إخلال يمكن تداركه بتحفّظ تفسيري ملزم يحصّن المادتين الأولى والثانية، من دون حاجة إلى إبطالهما، إذا ثبت أن هذا التحفّظ يجد سنده في نصّ القانون ذاته وفي الأحكام الدستورية.
وأضاف المجلس الدستوري أنه يتبيّن من مجمل أحكام القانون المطعون فيه أن المشترع أبدى إرادة واضحة في استبعاد جرائم الفساد من نطاق العفو، ويظهر ذلك:
ـ في الفقرة الثانية من المادة الأولى، التي استبعدت صراحةً من نطاق العفو سقوط الملاحقات والأحكام والقرارات بحقّ الموظّفين، في ما يتعلّق منها بتهم الفساد المالي.
ـ في البند 7 من المادة الثانية، الذي استثنى من العفو «الجرائم الواقعة على المال العام» بصيغة عامة غير محصورة.
ـ في البند 8 منها، الذي استثنى جرائم النيل من مكانة الدولة المالية، والإفلاس الاحتيالي، والجرائم المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف وسائر القوانين والأنظمة المتعلّقة بالمصارف.
ـ في البندين 9 و10 منها، اللذين استثنيا جرائم الإثراء غير المشروع، وجرائم تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، والجرائم المخالفة لقانون النقد والتسليف، «أيًّا كان مرتكبوها».
إن هذه الأحكام يجب أن تُقرأ مجتمعة، لا أن يُقتطع منها بند بعينه ليُستنتج منه، بتفسير عكسي، عفو ضمني عن جرائم لم يذكرها المشترع صراحةً؛ ذلك أن العفو استثناء من مبدأ المحاسبة ومن مبدأ الفصل بين السلطات، ويُفسَّر تفسيرًا ضيّقًا، فلا يُستنتج ضمنًا ولا يُتوسَّع فيه.
إن تفسير البندين 9 و10 على أنهما يحصران جرائم الفساد المستثناة من العفو يؤدّي إلى نتائج مخالفة للدستور. كما أن العفو الشامل غير المشروط عن جرائم الفساد، من دون ردّ الأموال المنهوبة ومن دون أيّ آلية لاستردادها، يتعارض مع هذه الالتزامات، ويفقد لبنان القدرة على التعاون الدولي في ملاحقة جرائم الفساد واسترداد الأموال المتأتّية منها والمحوّلة إلى الخارج.
وانتهى المجلس الدستوري إلى أنه، تبعًا لذلك، تكون المادتان الأولى والثانية غير مخالفتين للدستور، ولا سيما الفقرة «ب» من مقدّمته، التي تحيل إلى المواثيق الأممية التي يلتزم بها لبنان، ومن بينها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظّمة عبر الوطنية، شرط التقيّد بالتحفّظ التفسيري الملزم الآتي:
«عدم حصر جرائم الفساد المستثناة من العفو بما ورد في البندين 9 و10 من المادة الثانية، بل اعتبارها تشمل جميع جرائم الفساد المنصوص عليها في القوانين المرعيّة الإجراء والاتفاقيات الدولية الملتزم بها لبنان، في القطاعين العام والخاص، وجميع المتورّطين فيها، أيًّا كانت صفتهم، ولا يحول العفو دون تحصيل حقوق الدولة بوصفها متضرّرة، ولا دون إجراءات المصادرة واسترداد الأموال المتأتّية من جرائم الفساد».
من جهتنا، لا نوافق المجلس الدستوري على ما ذهب إليه في هذا الخصوص، لجهة تحفّظه التفسيري المتمثّل في عدم حصر جرائم الفساد المستثناة من العفو بما ورد في البندين 9 و10 من المادة الثانية، للأسباب التالية:
ـ لأن المادة الثانية تنصّ على الجرائم المستثناة من العفو العام، وكلّ استثناء يُفسَّر حصرًا، ولا يصحّ التوسّع في تفسيره على النحو الذي ذهب إليه المجلس الدستوري.
ـ لأن المجلس الدستوري أحلّ نفسه محلّ المشترع، ووضع قانونًا جديدًا مختلفًا كليًا عن قانون العفو، رافضًا حصر جرائم الفساد المستثناة من العفو بما ورد في البندين 9 و10 من المادة الثانية، ومعتبرًا أن جرائم الفساد المستثناة من العفو تشمل جميع جرائم الفساد المنصوص عليها في القوانين المرعيّة الإجراء والاتفاقيات الدولية التي يلتزم بها لبنان، في القطاعين العام والخاص، وجميع المتورّطين فيها، أيًّا كانت صفتهم، إلخ.
إن ما ذهب إليه المجلس الدستوري في هذا الخصوص يشكّل تعدّيًا واضحًا على اختصاص السلطة التشريعية، ونهجًا خطيرًا حوّل فيه المجلس الدستوري نفسه إلى «مجلس نيابي ثانٍ» موازٍ للمجلس الحالي! بل إن ما ذهب إليه يشكّل «اجتياحًا» مرفوضًا لصلاحيات السلطة التشريعية.
و ـ اعتبار كلّ فعل يشكّل جريمة حرب أو جريمة ضدّ الإنسانية أو تعذيبًا أو إخفاءً قسريًا خارجًا عن نطاق العفو:
جاء في قرار المجلس الدستوري، تبريرًا لهذا التحفّظ التفسيري، أن قانون العفو، وإن استثنى صراحةً، في البند 12 من المادة الثانية، الجرائم المنصوص عليها في قانون معاقبة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة رقم 65/2017، وفي قانون المفقودين والمخفيّين قسرًا رقم 105/2018، لم يستثنِ صراحةً الأفعال التي قد تشكّل جرائم حرب أو جرائم ضدّ الإنسانية. كما أن استثناءه التعذيب والإخفاء القسري يقتصر على المسؤولية الجزائية، دون المسؤولية التأديبية التي قد يُفهم أنها مشمولة بالفقرة الثانية من المادة الأولى.
وأضاف المجلس الدستوري أن عددًا من أنواع الجرائم الاقتصادية يدخل ضمن نطاق الجرائم الأكثر خطورة على الحقوق الأساسية، ولا سيما ما يسهم في تمويل الجريمة الدولية من تبييض أموال وعمليات فساد، وقد سبق بيان الالتزامات الدولية للبنان في هذا الشأن.
وتابع المجلس الدستوري أنه لا يجوز لقانون العفو الشامل أن يفقد لبنان القدرة على الالتزام بموجباته الدولية لجهة التعاون القضائي في المسائل الجزائية، كما في جرائم بيع الأطفال واستغلالهم في البغاء، خلافًا لما فرضته اتفاقية حقوق الطفل والبروتوكولات الملحقة بها، ولجهة استعادة الأموال المتأتّية من جرائم الفساد والمحوّلة إلى الخارج، عملًا بالمادة 43 والفصل الخامس من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
وختم المجلس الدستوري بأن هذه المخالفات لا تكمن في مبدأ العفو ذاته، بل في نطاق تطبيقه على أفعال يلتزم لبنان بملاحقتها، ويمكن تداركها بتفسير القانون وفقًا للفقرة «ب» من مقدّمة الدستور، من دون حاجة إلى إبطال المادتين الأولى والثانية. واعتبر أنه يقتضي اعتبار القانون المطعون فيه غير مخالف للدستور، شرط التقيّد بالتحفّظ التفسيري الملزم الآتي: «يُعتبر كلّ فعل يشكّل جريمة حرب أو جريمة ضدّ الإنسانية أو تعذيبًا أو إخفاءً قسريًا خارجًا عن نطاق العفو».
مرّة أخرى، نرى أن المجلس الدستوري أوجد نصًّا تشريعيًا غير منصوص عليه في قانون العفو؛ إذ اعتبر جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية وجرائم التعذيب والإخفاء القسري خارجة عن نطاق العفو، من دون أيّ إشارة في القانون إلى ذلك، ما يشكّل تعدّيًا إضافيًا على الاختصاص التشريعي للمجلس النيابي.
3 ـ في المادة الثالثة:
أ ـ تحصين البند 1 من المادة الثالثة لجهة عقوبة الإعدام الملغاة:
نصّ البند 1 من المادة الثالثة من قانون العفو على أن «عقوبة الإعدام تصبح 28 سنة سجنية»، ونصّ البند 2 على أن «الأشغال الشاقة المؤبّدة تصبح 17 سنة سجنية».
ولكن القانون المطعون فيه صدر ونُشر في 4/9/2026، أي بعد نفاذ القانون رقم 68/2026، فلم تعد عقوبة الإعدام، بتاريخ نفاذه، قائمة في التشريع اللبناني ولا في الأحكام غير المنفّذة.
قرّر المجلس الدستوري أن تطبيق البند 1 من المادة الثالثة تطبيقًا حرفيًا يجعله نصًّا بلا موضوع، ويؤدّي، في المقابل، إلى إخضاع من استُبدلت عقوبة الإعدام بحقّهم بالأشغال الشاقة المؤبّدة، بموجب القانون رقم 68/2026، للبند 2 من المادة الثالثة، فيستوون مع من حُكم عليهم أصلًا بالأشغال الشاقة المؤبّدة عن جرائم أقلّ خطورة. وهذه النتيجة تُخلّ بمبدأ المساواة، الذي يستوجب عدم معاملة أوضاع مختلفة معاملة واحدة، وتناقض التدرّج الذي أراده المشترع صراحةً بين البندين 1 و2، ما يقتضي إعطاء البند 1 أثرًا مفيدًا ينسجم مع إلغاء عقوبة الإعدام ولا يعيد إحياءها بأيّ وجه. ويُفسَّر هذا البند على أنه يتناول الجرائم التي كان معاقبًا عليها بالإعدام قبل نفاذ القانون المذكور، والمحكومين الذين استُبدلت عقوبة الإعدام بحقّهم بالأشغال الشاقة المؤبّدة بموجب المادتين الثالثة والخامسة، الفقرة «أ»، منه، فتصبح عقوبتهم 28 سنة سجنية، ولا يسري عليهم البند 2 من المادة الثالثة.
ولكننا نسأل: أين أصبحت العقوبة المخفّضة هنا؟
فعقوبة الإعدام أُلغيت، لكن المجلس الدستوري تعامل مع النصّ وكأن عقوبة الإعدام لا تزال قائمة، فاستبدلها بـ28 سنة سجنية، في حين أنه كان يقتضي، بدلًا من استبدال عقوبة الإعدام الملغاة بـ28 سنة سجنية، استبدال عقوبة الأشغال الشاقة المؤبّدة، التي حلّت محلّ عقوبة الإعدام، بـ17 سنة سجنية، وإلغاء البند الأول من المادة الثالثة، باعتبار أن عقوبة الإعدام قد أُلغيت، لا العكس كما فعل المجلس الدستوري.
ب ـ اعتبار الاستثناء المتعلّق بجرائم القتل العمدي أو القصدي المقترنة أو المصحوبة بالظروف المشدّدة، الوارد في الفقرة ما قبل الأخيرة، شاملًا أيضًا جميع جرائم القتل القصدي أو العمدي الواردة في المواد 547 و548 و549 من قانون العقوبات:
جاء في قرار المجلس الدستوري أن قانون العقوبات شدّد العقوبة بالنسبة إلى القتل القصدي في المادة 547 منه، وفي المادة 548 إذا اقترن بأحد الأسباب التي عدّدتها، وفي المادة 549 إذا اقترن بأسباب أخرى جرى تعدادها، ومن ضمنها العمد. كما جاء فيه أن الفقرة الأخيرة من المادة الثالثة تثير الالتباس ويشوبها الغموض بشأن ما إذا كان إسقاط الحقّ الشخصي مشترطًا كلّما توافر ظرف مشدّد منصوص عليه في المواد 547 و548 و549 من قانون العقوبات، أم أن هذا الشرط محصور بتوافر أحد الأسباب الواردة فيها، علمًا بأن الأخذ بالاحتمال الأخير يؤدّي إلى الإخلال بمبدأ المساواة بين المتضرّرين من جرائم القتل المشدّدة.
وتابع المجلس الدستوري أنه، حرصًا منه على احترام مبدأ المساواة، يقتضي تحصين الفقرة الأخيرة من المادة الثالثة بتحفّظ تفسيري ملزم، مؤدّاه أن الحكم الوارد فيها، أي اشتراط إسقاط الحقّ الشخصي، يسري «في جرائم القتل القصدي أو العمدي المقترنة أو المصحوبة بأحد الأسباب المشدّدة الواردة في الفقرة الثانية من المادة الثالثة، أو بأحد الأسباب المشدّدة الواردة في المادتين 548 و549 من قانون العقوبات».
من جهتنا، نرى أن المجلس الدستوري توسّع في تفسير هذا الاستثناء حيث لا يجوز التوسّع، نظرًا إلى طابعه الاستثنائي؛ إذ كان يقتضي أن يُفسَّر النصّ تفسيرًا ضيّقًا متوافقًا مع طابعه الاستثنائي، وفقًا لما يلي:
لا يستفيد المحكوم من التخفيض إلّا بعد إسقاط الحقّ الشخصي، إذا كان المتضرّر قد اتّخذ صفة الادّعاء الشخصي قبل 1/3/2026، في جرائم القتل العمدي أو القصدي المقترنة أو المصحوبة بالظروف المشدّدة الآتية:
ـ الاغتصاب أو الاعتداء الجنسي.
ـ إذا ارتكبها أحد الأصول أو الفروع، أو من له سلطة أو ولاية أو وصاية على الضحية.
ـ إذا اقترنت بالتعذيب أو الوحشية أو التشويه أو الخطف.
ـ إذا ارتُكبت في إطار الاغتيال السياسي.
إن اعتماد هذا التفسير، وتاليًا عدم التوسّع في تفسير الظروف المشدّدة، مردّه إلى أن تلك الظروف معدّدة على سبيل الحصر لا المثال، فيقتضي عدم التوسّع وإضافة أسباب مشدّدة أخرى غير مذكورة في النصّ؛ فهذا لا يشكّل تشويهًا له فحسب، بل يضيف إليه شروطًا لم يلحظها المشترع، وهو ما يخالف أبسط القواعد المتّبعة في تفسير القوانين.
ج ـ شطب عبارة «قبل 1/3/2026» من الفقرة الأخيرة من المادة الثالثة:
جاء في قرار المجلس الدستوري أن اشتراط اتّخاذ صفة الادّعاء الشخصي قبل تاريخ 1/3/2026، فضلًا عن كونه غير مبرّر، يؤدّي أيضًا إلى الإخلال بمبدأ المساواة بين المتضرّرين، ولا سيما المتضرّرين من جرائم تجري ملاحقتها أمام المحاكم العسكرية، والذين لا يمكنهم الادّعاء إلّا بعد صدور أحكام مبرمة قد تصدر بعد 1/3/2026 وقبل نفاذ القانون، ما يوجب شطب عبارة «قبل 1/3/2026» من الفقرة الأخيرة من المادة الثالثة.
هذا الشطب يتوافق مع الغاية الحقيقية من النصّ، ولا يتعارض مع طبيعته، ما يقتضي تأييده.
القسم الثالث: بعض الإشكاليات التي لم يتعرّض لها المجلس الدستوري
1 ـ مدى شمول الاستثناءات من العفو المساهمين في ارتكاب الجريمة:
شملت المادة الأولى من القانون بالعفو جميع من ساهموا في ارتكاب الجرائم المشمولة به، سواء بصفتهم فاعلين أم شركاء أم متدخّلين أم محرّضين أم مخبّئين، وفقًا للتعريفات الواردة في قانون العقوبات. فهل يقتضي، من جهة أخرى، أن تشمل الاستثناءات من العفو جميع المساهمين في الجرائم غير المشمولة به؟
نحن لا نرى ذلك بسبب الطبيعة الاستثنائية لقانون العفو، التي لا يصحّ معها التوسّع في تفسيره، خصوصًا أن المشترع، لو شاء شمول المساهمين بالاستثناءات من العفو، لما تأخّر لحظة واحدة في النصّ على ذلك، على غرار ما فعله عند شمول المساهمين بالعفو. لكن إحجامه عن ذلك يُفسَّر بعدم جواز شمول المساهمين بالاستثناءات من العفو.
2 ـ جريمة استعمال المزوّر:
لم يأتِ المشترع على ذكرها عند كلامه على جرائم التزوير التي استثناها المجلس الدستوري من العفو. فهل جريمة استعمال المزوّر مشمولة بالعفو؟ لقد نصّ المشترع على جريمة استعمال المزوّر في مادة مستقلّة، هي المادة 454 من قانون العقوبات.
وانطلاقًا من الطابع الاستثنائي لقانون العفو، ووجوب تفسيره حصرًا، نرى أن جريمة استعمال المزوّر مشمولة بالعفو، لعدم استثنائها صراحةً ضمن الجرائم المستثناة من العفو في المادة الثانية من القانون.
في الخلاصة، نقول إن قرار المجلس الدستوري رقم 12/2026 يشكّل «محطّة حزينة»، بل «صدمة صاعقة وخيبة أمل» لأهل القانون؛ إذ إن المجلس الدستوري، وتحت ستار تحصين القانون بالتحفّظات التفسيرية الملزمة، تجاوز صلاحياته، متعدّيًا على صلاحيات المجلس النيابي، ومشكّلًا مجلسًا آخر إلى جانبه!
نأمل أن يُقلع المجلس الدستوري مستقبلًا عن هذا الاجتهاد المسيء إلى مبدأ الفصل بين السلطات ذي القيمة الدستورية، وإلّا سنصبح بحاجة إلى من يحمي الدستور من المجلس الدستوري!
[1] راجع: سليم الجاهل، «تفسير القواعد المكتوبة من قبل القاضي: من الواقع إلى القانون ومن القانون إلى الواقع»، الشرق الأدنى، دراسات في القانون، الأعداد 26–30، ص 217 (بالفرنسية).

د. عبده جميل غصوب
دكتور في الحقوق، بروفسور لدى كليات الحقوق، محام بالاستئناف، مستشار قانوني في الإمارات العربية المتحدة ـ دبي، خبير قانوني دولي معتمد لدى عدة منظمات قانونية دولية.
