من بين شتّى المشكلات التي تواجهها سوريا حالياً – بما فيها العنف بين المكونات المجتمعية واحتمال تفكك البلاد – تبقى الأزمة الاقتصادية هي الأشدّ وطأة. ومع ذلك، لقد أصرّت القيادة الجديدة على تطبيق تدابير تقشفية جعلت تكاليف المعيشة أكثر قسوة على المواطن العادي. لكن إذا عجزت الحكومة عن تلبية احتياجات الناس العاديين، فإنها تخاطر بإثارة اضطرابات قد تقوّض المرحلة الانتقالية في البلاد.
لقد حققت إدارة الرئيس أحمد الشرع بعض النجاحات الفعلية. فبعد عقود من العزلة السياسية، ها هي سوريا تحظى بدعم قوى إقليمية ودولية، من بينها الولايات المتحدة، ونجحت في رفع معظم العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة عليها. كما تمكنت الحكومة الجديدة، حتى الآن، من منع تفكك البلاد. لكنها أخفقت في إدارة الاقتصاد.
بطبيعة الحال، كان من شأن إحياء التجارة والصناعة تشكيل تحدّ هائل لأي حكومة تأتي بعد الأسد. فقد أدت 14 عاماً من الحرب الأهلية إلى تهجير أكثر من نصف سكان البلاد وانكماش الاقتصاد بأكثر من النصف. وقدّر البنك الدولي أن الحرب تسببت بأضرار مادية تجاوزت قيمتها 108 مليارات دولار، تَركّز معظمها في ثلاث مدن ذات أهمية اقتصادية حيوية وفي محيطها – حلب ودمشق وحمص.
ليس باستطاعة السوريين، الذين أفقرتهم سنوات سوء الإدارة الاقتصادية والحرب، تحمّل تكاليف أبسط الضروريات. فاستناداً إلى سعر الصرف غير الرسمي الحالي، يقدّر برنامج الأغذية العالمي أن الاحتياجات الشهرية لأسرة سورية مكوّنة من خمسة أفراد تبلغ نحو 197 دولاراً. ومع ذلك، لا يعادل الحد الأدنى الرسمي للأجور شهرياً سوى 95 دولاراً. والحال أن كثيرين يعتمدون على تحويلات الأقارب المالية من الخارج لتغطية احتياجاتهم.
سياسات غير ناضجة
يمكن إرجاع جزء كبير من معاناة سوريا إلى الدمار الذي خلفته الحرب وإلى عقود من سوء الإدارة في عهد الأسد، لكن بعض مشكلات البلاد ناتج من السياسات التي تتبعها حكومة الشرع. فقد شرع القادة الجدد في تطبيق برنامج “علاج بالصدمة” يقوم على التحرير الاقتصادي، من دون أن يأخذوا في الاعتبار، على ما يبدو، مدى هشاشة وضع معظم السوريين.
في السنوات الأخيرة من حكم الأسد، حين أصبحت موارد الحكومة شحيحة للغاية، خفّض النظام الدعم الذي لم يعد قادراً على تحمّله. لكن حكومة الشرع ذهبت أبعد من ذلك. فبعد أشهر من توليها السلطة، رفعت سعر الخبز المدعوم من الدولة بنسبة تقارب 1,400 في المئة. وفي مطلع هذا العام، رفعت تعرفة الكهرباء لتصل في بعض الحالات إلى 800 في المئة. وهذا الشهر، رفعت الحكومة أسعار الوقود مجدداً، بنسبة بلغت 40 في المئة بالنسبة إلى المازوت، مبررةً القرار بتطورات أسواق الطاقة العالمية واستمرار أعمال إصلاح إحدى المصافي السورية الرئيسية.
من ناحية أخرى، حاولت الحكومة التعويض عن التضخم من خلال زيادة رواتب القطاع العام. ففي شهر آذار/مارس الماضي، أقرت زيادة بنسبة 50 في المئة. غير أن التضخم المستمر قلّص الفائدة الفعلية للأجور المرتفعة، كما أن الزيادات لم توزّع بالتساوي. فقد صرفت الحكومة مئات آلاف الموظفين الذين عُيّنوا في عهد الأسد، في وقت وظفت فيه عدداً كبيراً من الموالين لها، بما في ذلك في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية المعاد تشكيلها حديثاً.
إدارة تنقصها الخبرة
بدورها، لم تدعم الحكومات الأجنبية سوريا بالمستوى الذي ربما كانت دمشق تتوقعه. فقد ساعدت الولايات المتحدة في إعادة ربط سوريا بالشبكات المالية الدولية وشجعت الاستثمار في البلاد، لكنها لم تقدّم التزامات كبيرة لدعم التعافي. كما قدّمت دول خليجية، مثل السعودية وقطر، بعض المساعدات، بما فيها دعم رواتب القطاع العام، لكنها لم توافق على تحمّل مسؤولية إبقاء سوريا صامدة مالياً. ثم أصبحت قدرة هذه الدول على تقديم المزيد من الدعم موضع تساؤل، في ظل تعاملها مع تداعيات الحرب على إيران.
لقد تصوّر الشرع تعافياً اقتصادياً تقوده الاستثمارات الخاصة، لا المساعدات. لكنه اعتقد، على ما يبدو، أن الاستثمارات ستتدفق بصورة أكبر. فالوضع الأمني لم يستقر بعد، كما تفتقر سوريا إلى الأطر القانونية والتنظيمية وإلى نظام مالي متكامل. وتعاني الحكومة نقصاً في الخبرات الاقتصادية. إذ يعتمد الرئيس على حفنة من قدامى عناصر “هيئة تحرير الشام” بوصفهم مستشارين وصنّاع سياسات رئيسيين (تقتصر خبرة هؤلاء في الحكم على إدارة جيب صغير خاضع لسيطرة المتمردين في شمال غربي سوريا بين عامي 2017 و2024).
نقص الخبرة هذا يتجلى بوضوح. فالإعلانات عن السياسات الرئيسية، مثل رفع أسعار الوقود هذا الشهر، تأتي بصورة مفاجئة. لا بل يبدو أنها تُتخذ من دون دراسة فعلية أو تشاور مع جهات خارجية. وعلى الرغم من أن الحصول على بيانات اقتصادية موثوقة في سوريا كان دائماً صعب المنال، فإن حكومة الشرع، كذلك، قدّمت أحياناً أرقاماً مشكوكاً في صحتها.
صبر السوريين ينفد
رغم أن سياسات حكومة الشرع لم تقضِ على احتمال تحقيق تعافٍ اقتصادي في نهاية المطاف، فإنها ربما أخّرته وجعلت حياة السوريين العاديين أكثر صعوبة. وإذا لم تُلبَّ الاحتياجات الأساسية قريباً، فقد يفقد الناس ثقتهم بالنظام السياسي الناشئ.
في أعقاب سقوط الأسد مباشرة، كان السوريون مستعدين للتغاضي عن أوجه قصور حكومتهم الجديدة. لكن بعد مرور نحو عامين، لقد باتوا أكثر استعداداً للتعبير عن إحباطهم. من المرجح ألا يتخذ هذا الاستياء شكل كفاح مسلح، لأن السوريين سئموا الحرب عموماً. غير أن احتجاجات وإضرابات محدودة النطاق تُنظَّم بصورة متزايدة للمطالبة بتخفيف الضغوط الاقتصادية وتحسين الخدمات العامة.
هذه المصاعب الاقتصادية تزيد أيضاً من قابلية الوضع السوري للاشتعال عموماً، وتجعل القضايا السياسية والطائفية الأخرى أكثر عرضة للانفجار. فسوريا فقيرة وغارقة في العنف لا تصبّ في مصلحة أحد. لذا، بينما تحاول حكومة الشرع اليوم تنشيط الاقتصاد، يتعيّن عليها أن تراعي الاستقرار الاجتماعي في جهودها. كما يجب على السلطات إعطاء الأولوية للقدرة على تحمّل التكاليف، كي لا تتحول الفئات الأكثر هشاشة إلى ضحايا لإصلاحات التحرير الاقتصادي.
في المقابل، يجب على شركاء دمشق الدوليين مدّها بالموارد التي تمكّنها من إحداث تحسن ملموس في حياة المواطنين العاديين، وتوفير شبكة أمان اجتماعي تواكب تنفيذ الإصلاحات الهيكلية. كذلك، تحتاج الحكومة إلى فتح المزيد من قنوات التواصل مع الناس، بهدف بناء جسور الثقة وإدارة الاستياء المرافق لمرحلة انتقالية صعبة.
لقد شعر السوريون بالارتياح لرؤية الأسد يرحل بعد طول انتظار. لكن مخزون صبرهم تجاه حكومة الشرع ليس بلا حدود هو الآخر.
ترجمة بتصرّف عن موقع “فورين أفيرز”
بقلم / سام هيلر – محلّل وزميل أقدم غير مقيم في مركز السياسة الدولية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
