قراءة قانونية لقانون العفو العام وتخفيض بعض العقوبات

بعد طول انتظار، أُقرّ قانون العفو العام وتخفيض العقوبات بـ«ولادة قيصرية»، وبعد أخذ وردّ طويلين مارس فيهما الجميع «عرض عضلات» سياسية وطائفية. فصدر بالشكل الذي صدر فيه، والذي يقتضي، للإحاطة به، وضعه في إطاره الواقعي والزمني الحقيقي؛ فهو لم يكن «خيارًا مريحًا»، بل أتى نتيجة ضغوط سياسية واجتماعية لامست العدالة في صميمها، ما استوجب الطعن فيه أمام المجلس الدستوري بتاريخ 9/9/2026، بموجب الطعن رقم 12/5/2026، حيث صدر في اليوم التالي، أي بتاريخ 10/9/2026، قرار قضى بوقف تنفيذه.

ذهب البعض، في انتقادهم له، إلى تبنّي رؤية نظرية بعيدة عن الواقع، فنعتوه بأنه قانون «الإفلات من العقاب»، مستدلّين بالنظريات المناهضة للعفو التي يعرفها الجميع، ولكنها لا تمتّ بصلة إلى الواقع الذي أدّى إلى ولادة هذا القانون.

وحاول البعض الآخر التمييز بين الجرائم الواقعة ضد العسكريين وتلك الواقعة ضد المدنيين، منطلقين من قواعد سياسية لا تمتّ بصلة إلى الواقع أو القانون. فالجريمة، سواء أكانت ضد المدنيين أم ضد العسكريين، يحكمها القانون، و«دماء العسكريين» ليست أغلى من «دماء المدنيين»؛ إذ يجب الحرص على دماء العسكريين والمدنيين في آن واحد. كما أنّ الظروف المبرّرة للعفو واحدة، سواء أكانت الجرائم قد نالت من العسكريين أم من المدنيين. وخطاب التمييز بين الضحايا العسكريين والمدنيين مرفوض، ليس فقط من منظور قانوني، بل أيضًا من منظور وطني واجتماعي. وكل «الاستعراضات» التي حاول البعض استثمارها لا تعكس واقعًا صحيحًا، بل استغلالًا سياسيًا رخيصًا ليس له أي بُعد قانوني أو إنساني.

لم يكن الخيار بين إنزال العقاب والإفلات منه، كما حاول البعض إظهاره بصورة «سطحية» لا تأخذ واقع الأمور في الاعتبار؛ بل كان الخيار أصعب من ذلك بكثير، فالواقع الذي كان أمامنا بلغ حدًّا غير مقبول.

ولنقل الأمور بحقيقتها؛ فالقانون كان ثلاثي الأهداف: فالموقوفون «الإسلاميون» لم يعودوا مجرّد موقوفين بعد أن تجاوزت فترة توقيفهم الحد المعقول، خصوصًا أنّ الريبة والشك رافقا ملفاتهم من طرابلس إلى عبرا. فالأمور ليست واضحة، ولا بدّ من قول الحقيقة. لقد فعلت المنظومة السياسية والأمنية والعسكرية فعلها، بغطاء من القوات السورية التي كانت تمسك بزمام الأمور في لبنان، فأُوقف «الإسلاميون» ولم يُحاكموا! وهذا أمر مرفوض. كما كان سير المحاكمات بطيئًا، لا لأسباب إجرائية بحتة فحسب، بل أيضًا نتيجة ضغوط سياسية وأمنية مورست على القضاء، وكان يستحيل أن تتحقق العدالة في تلك الأجواء. هذا هو المنظور الحقيقي للأمور التي يجب البوح بها بصراحة وشجاعة، بدلًا من إطلاق شعارات فارغة عن «الإفلات من العقاب» وما شابه ذلك من عناوين لا تعكس الواقع على حقيقته.

وتبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحًا متى علمنا أنّ الحكومة السورية طلبت استرداد الإسلاميين السوريين الذين كان يلاحقهم النظام السوري السابق لأسباب لا تبدو قانونية في حقيقتها، وهي، في كل الأحوال، لا تبعث على الثقة والاطمئنان. والمهم أنّه أُطلق سراح «الإسلاميين السوريين»، فيما بقي «الإسلاميون» اللبنانيون قابعين في سجونهم ينتظرون المحاكمة والفرج!

لكن المحاكمات طالت، وستطول أكثر، وهي تستوجب فتح ملفات سياسية أكثر منها قانونية، والوقت ليس وقتها، فضلًا عن أنّ فترة توقيف «الإسلاميين» الطويلة حوّلتهم إلى معتقلين؛ وهذا أمر مرفوض، ليس فقط من منظور العدالة، بل أيضًا من منظور إنساني بحت.

لقد أتاح قانون العفو لـ«الإسلاميين» فرصة لإطلاق سراح العديد منهم، مع وجوب الإسراع في محاكمة الباقين قيد التوقيف. وليس أدلّ على ذلك من ملف الشيخ أحمد الأسير، الذي ما زال عالقًا أمام محكمة التمييز العسكرية، والذي يجب عليها الإسراع في الفصل فيه للانتهاء من هذا الملف الذي يشوبه الكثير من الغموض وعدم الاطمئنان. وهنا نقول، وبكل صراحة، إنّه آن الأوان في لبنان للانتهاء من المحاكم الاستثنائية، وفي مقدّمها المحكمة العسكرية، التي لا يجوز تحويلها إلى أداة لترويض البعض، بل يجب إلغاؤها وإحالة الدعاوى الداخلة ضمن اختصاصها إلى القضاء العدلي. فتصبح الجرائم العسكرية من اختصاص قاضٍ منفرد ينظر في الدعاوى العسكرية، وغرفة لدى محكمة استئناف الجنح تنظر في الدعاوى العسكرية، وأخرى تنظر في الجنايات العسكرية، على أن تُخصَّص في محكمة التمييز غرفة لهذه الجرائم. إنّ قانون العفو يجب أن يشكّل مناسبة للانتهاء من المحاكم الاستثنائية، وعلى رأسها المحكمة العسكرية التي لم تعد منسجمة مع مفاهيم العدالة، على الأقل لجهة أدائها الذي ساهم في الوصول إلى الواقع الأليم المبرّر لقانون العفو.

هذا من ناحية الإسلاميين. أما من ناحية جرائم الاتجار بالمخدرات وترويجها، فإذا كان صحيحًا أنّ معظم مرتكبي هذه الجرائم هم خارج السجون، فمن الصحيح أيضًا أنّ ثمة مئات الأحكام الغيابية والمذكرات الصادرة بحقهم، وقد أصبحوا غير آبهين بها، على طريقة «أنا الغريق، فما خوفي من الغرق»! وبعيدًا عن الدفاع عن هؤلاء الذين لا يستأهلون أصلًا الدفاع عنهم، يجب على الدولة أن تنظر إلى هذا الموضوع ليس فقط من منظور عقابي، بل أيضًا من منظور اجتماعي إصلاحي؛ فالحل لا يكون بإنزال العقاب بهؤلاء فحسب، بل بمعالجة هذه الآفة التي رافقت تاريخ لبنان منذ العثمانيين وحتى اليوم. كما أنّ لبنان لم يفلح، حتى الآن، في إيجاد زراعة بديلة عن المخدرات، ولم يستفد أيضًا من البدائل كما حصل في الجزائر مثلًا، بل إنّ الهيمنة على الدولة والمؤسسات حالت، في حينه، دون الاستفادة من هذه البدائل.

فالاتجار بالمخدرات يشكّل، مع الأسف، «دخلًا مرتفعًا» للكثيرين من أبناء منطقة معيّنة، والحل لا يكون بإنزال العقاب بهم فحسب، بل بحثّهم على ممارسة زراعة بديلة تكون مفيدة لهم وتلغي حاجتهم إلى الاتجار بالمخدرات. وقد اتُّخذت خطوات عدة في هذا المجال، ولكن يبدو أنّها بقيت قاصرة عن حل المشكلة. لقد كنا أمام واقع مرير: هناك العديد من تجار المخدرات خارج السجون، وهم ملاحقون وفارّون من وجه العدالة، فشملهم قانون العفو، ونحن لسنا ضد ذلك. لكن القانون المذكور يجب أن يترافق مع حلول عملية تمنح هؤلاء حوافز للامتناع عن الاستمرار في ارتكاب هذا الجرم الخطير، سواء عن طريق الزراعة البديلة أم عن طريق إصلاحهم اجتماعيًا وإنسانيًا، مع وجوب التشدد عندها أكثر فأكثر في معاقبتهم إذا استمروا، بعد العفو، في ممارسة أفعالهم الجرمية.

أما الهدف الثالث من قانون العفو، فيطال «المُبعَدين إلى إسرائيل» من أفراد جيش لبنان الجنوبي وعائلاتهم. وهذا الموضوع حساس جدًا، ولم يُعالج بالجدية المطلوبة؛ فقانون العفو استثنى جرائم الاتصال بالعدو، لكنه استثنى من هذا الاستثناء، أي شمل بالعفو، المستفيدين من القانون رقم 194 تاريخ 18/11/2011، الذين اعتُبروا مستفيدين حكمًا من قانون العفو الحالي. غير أنّ عقبات عملية تحول دون تطبيق هذا القانون وتنفيذه، ولنا عودة إليه في هذه الدراسة.

المهم أنّ قانون العفو قد وُلد، وكان لا بدّ أن يولد لتحقيق غاياته الثلاث، بعيدًا عن إطلاق العناوين التي لا تشفي غليل المظلومين؛ فرفع الظلم أهم من إنزال العقاب، بل هو جوهر العدالة، والقوانين وُجدت لخدمة الإنسان، لا العكس. فهل نجح قانون العفو في تحقيق أهدافه؟

قد يكون قانون العفو قد حقق بعض أهدافه، لكن سوء صياغته، بسبب «الفوضى التشريعية» التي باتت متأصلة في ثقافتنا التشريعية الحالية، أضفى عليه جوًا من الضبابية وعدم الوضوح، ما جعل تطبيقه صعبًا أحيانًا.

أولًا: الجرائم المشمولة بالعفو العام

ربّ قائل إنّ العفو لم يكن «عامًا»، بل شمل جرائم ولم يشمل أخرى. ولا فائدة من هذا الجدال، وربما أراد البعض التمييز هنا بين «العفو العام» الذي يقرّه مجلس النواب و«العفو الخاص» الذي يصدره رئيس الجمهورية. لكننا لا نتوقف عند هذه التسمية أو تلك، ولا عند الجدال غير المفيد بشأنها. نحن أمام قانون عفو أقرّه مجلس النواب مع بعض الاستثناءات، كما تضمّن هذا القانون ليس فقط العفو، بل أيضًا تخفيض بعض العقوبات، فما الضرر في ذلك؟ ولماذا يصرّ البعض على الجدال حول هذه النقطة؟

فالمشترع «سيّد نفسه»، وهو يشرّع كما يريد، وقد أقرّ قانون عفو أسماه «عفوًا عامًا»، مستثنيًا بعض الجرائم ومخفّضًا عقوبات الجرائم التي شملها؛ فأين الخطأ في ذلك؟ علمًا بأنّ المجلس الدستوري جاهز لإبطال أي مادة، أو حتى فقرة، مخالفة للدستور أو للقواعد الدستورية العامة، أي «كتلة القواعد الدستورية». فالمادة الأولى من القانون نصّت على شمول العفو «الجرائم المرتكبة قبل تاريخ 1 آذار 2026»، أي إنّها لم تحدّدها زمنيًا إلا من خلال تاريخ وقوعها، ولم تحدّد مدة زمنية ثابتة بين تاريخين، فلم تقل مثلًا: الجرائم الواقعة بين تاريخ 1 آذار 2026 وتاريخ آخر! أي إنّه لا حدود زمنية لتلك الجرائم؛ فحتى الجرائم المشمولة بمرور الزمن شملها قانون العفو، وأصبحت الاستفادة منها مزدوجة، إذ تكون الدعوى العامة هنا ساقطة بالعفو وبمرور الزمن. وربّ متسائل هنا: هل يستطيع المستفيدون من العفو التقدم بطلبات إعادة اعتبار أمام الهيئة الاتهامية المختصة، أو أمام محكمة التمييز العسكرية، بحسب الاختصاص؟

إنّ السؤال ليس واقعًا في محله الصحيح، لأنّ العفو يؤدي إلى سقوط الجرم، وهنا يُكتفى بإرسال مذكرات إلى مكتب التحريات، صادرة عن المحاكم أو عن النيابات العامة بحسب الاختصاص، تقضي بوجوب شطب الجرم الساقط بالعفو، ولا حاجة إلى التقدم بطلبات إعادة اعتبار.

بالإضافة إلى المدى الزمني لقانون العفو، هناك المدى المتعلق بالأشخاص المشمولين بالعفو؛ فليس الفاعل وحده مشمولًا بالعفو، بل أيضًا الشركاء والمتدخلون والمحرّضون والمخبِّئون، وفقًا لتعريفات قانون العقوبات.

ويضيف المشترع، في الفقرة الثانية من المادة الأولى، أنّ العفو العام يؤدي إلى سقوط الدعوى العامة ومحو العقوبات الأصلية المحكوم بها. وهنا نكرّر عدم الحاجة إلى تقديم طلبات إعادة اعتبار أمام المراجع المختصة، بل يكفي توجيه مذكرات بهذا الخصوص إلى مكتب التحريات، تقضي بوجوب شطب الجرائم المسجلة في السجل العدلي للمستفيد من العفو، ليس فقط بسبب سقوط الدعوى العامة، بل أيضًا بسبب محو العقوبة الأصلية المحكوم بها.

وبمقتضى الفقرة الثانية من المادة الأولى ذاتها، لا تسقط الدعوى العامة فحسب وتُمحى العقوبة الأصلية المحكوم بها، بل تسقط أيضًا جميع الملاحقات والأحكام والقرارات؛ أي إنّ العفو يشمل الجرم المحكوم به وغير المحكوم به، وكان من الأفضل أن يستعمل المشترع هذه العبارة بدلًا من عبارة شمول العفو «الملاحقات والأحكام والقرارات». كما شمل العفو «القرارات الإدارية الصادرة بحق الموظفين بغير تهم الفساد المالي، سواء أكانت وجاهية أم غيابية أم بمثابة الوجاهي». وهذه الفقرة، كما سنأتي على بيانه لاحقًا، «مستغربة»، إذ إنّ العفو يشمل الجرائم والعقوبات، ولا يشمل «القرارات الإدارية» الصادرة بحق الموظفين!

إننا لا نرى فائدة من هذا النص، إذ إنّ القرارات الصادرة بحق الموظفين في غير تهم الفساد هي خارجة أصلًا عن إطار العفو! أما بالنسبة إلى تهم الفساد، فهي مستثناة في باب الاستثناءات المنصوص عليها في البند 9 من المادة الثانية، ضمن جرائم الإثراء غير المشروع المنصوص عليها في القانون رقم 189 تاريخ 16/10/2020، والتي سنأتي على ذكرها لاحقًا. ولا بدّ من الإدلاء بكلمة أخيرة هنا، إذ إنّ شمول الجرائم الواقعة قبل تاريخ 1 آذار 2026 بالعفو لا معنى له، لأنه لا يوجد أي سبب لعدم شمول العفو الجرائم الواقعة بين 1 آذار 2026 وتاريخ إقراره! وبالتالي، يبدو تاريخ 1 آذار 2026 غير مبرّر! وكان يقتضي القول إنّ القانون يشمل جميع الجرائم الواقعة قبل إقرار القانون في 14/8/2026، بدلًا من 1 آذار 2026.

قد يتساءل البعض عن المرجع المختص بالنظر في طلبات الاستفادة من العفو. ونرى أنّه، في الدعاوى العالقة، يكون المرجع الناظر في الدعوى هو المختص، أما في الدعاوى المفصولة، فيعود البت في طلبات الاستفادة من العفو إلى النيابات العامة المختصة.

ثانيًا: الجرائم المستثناة من العفو العام

نصّت المادة الثانية من قانون العفو على هذه الاستثناءات، وفقًا لما يأتي:

1 ـ الجرائم التي أُحيلت على المجلس العدلي.

2 ـ القتل عمدًا أو قصدًا، والجرائم الواردة في قانون الإرهاب الصادر بتاريخ 11/1/1958، بحق المدنيين أو العسكريين وجميع عناصر القوى الأمنية.

3 ـ الجرائم العسكرية المنصوص عليها في الباب الثاني من الكتاب الثالث، والجرائم الشائنة المنصوص عليها في المادة 105 من قانون القضاء العسكري رقم 24 تاريخ 13/4/1968.

4 ـ جرائم الخيانة والتجسس والجرائم المتعلقة بالصلات غير المشروعة بالعدو، باستثناء المشمولين بالفقرة الثانية من المادة الوحيدة من القانون رقم 194 تاريخ 18/11/2011، الذين يُعتبرون مستفيدين حكمًا من قانون العفو العام الحالي.

في السياق اللبناني المرتبط بالصلات غير المشروعة بالعدو، فإنّ القانون رقم 194، الصادر بتاريخ 18 تشرين الثاني 2011، هو التشريع الخاص الذي يرمي إلى معالجة أوضاع المواطنين اللبنانيين الذين لجأوا إلى إسرائيل. وقد أقرّ مجلس النواب هذا القانون لتنظيم ملف اللبنانيين الذين فرّوا إلى إسرائيل عقب انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000. ويميّز هذا القانون بدقة بين فئتين من اللبنانيين الموجودين داخل الأراضي المحتلة:

  • الفئة الأولى: المنضوون عسكريًا أو أمنيًا، وتشمل العناصر الذين انخرطوا في صفوف «جيش لبنان الجنوبي». وهؤلاء يخضعون للمحاكمة أو الملاحقة القضائية فور عودتهم إلى لبنان، بموجب القوانين اللبنانية المرتبطة بالتعامل مع العدو.
  • الفئة الثانية: المدنيون والعائلات، وتشمل المواطنين والنساء والأطفال الذين لجأوا إلى الأراضي المحتلة خوفًا من العمليات الانتقامية، من دون أن ينخرطوا عسكريًا أو أمنيًا. ويُسمح لهؤلاء بالعودة إلى لبنان وفق آليات محددة، بشرط التنازل عن الجنسية الإسرائيلية أو التخلي عنها في حال اكتسابها.

عاد القانون رقم 194/2011 إلى الواجهة مجددًا، إذ تضمّن مشروع قانون العفو العام بندًا يستثني جرائم الخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة بالعدو من العفو، باستثناء الفئة الثانية من المدنيين المشمولين بهذا القانون، أي القانون رقم 194/2011. وبموجب ذلك، يُعتبر هؤلاء المدنيون وعائلاتهم مستفيدين حكمًا من العفو العام، تسهيلًا لعودتهم الطوعية إلى لبنان.

كان القانون رقم 194/2011 «معطّلًا» لسنوات بسبب اشتراطه صدور «مراسيم تطبيقية» عن مجلس الوزراء، لم تُقرّ أبدًا. وجاء قانون العفو العام ليفكّ هذا الجمود من خلال الآتي:

ـ الإعفاء من المراسيم التطبيقية: نصّ قانون العفو على شمول الفئة الثانية، أي المدنيين والعائلات والنساء والأبناء الذين لم ينخرطوا عسكريًا أو أمنيًا، بالعفو العام مباشرة. وأصبح بإمكانهم العودة من دون قيد أو شرط قضائي، وسقطت عنهم تهم «الصلات غير المشروعة بالعدو» الناتجة عن مجرد اللجوء أو الإقامة.

ـ شرط إسقاط الجنسية الإسرائيلية: يُعدّ هذا الشرط التحدي القانوني الأبرز، إذ يشترط القانون على العائدين التخلي رسميًا عن الجنسية الإسرائيلية، في حال اكتسابها خلال فترة إقامتهم. وبما أنّ القانون اللبناني يمنع حيازة جنسية دولة عدوة، فإنّ الاحتفاظ بها يُسقط مفاعيل العفو ويعرّض صاحبها للملاحقة بموجب قانون مقاطعة إسرائيل.

ـ الإجراءات الإدارية عند الحدود: يتقدم المدنيون الراغبون في العودة بطلباتهم عبر القنوات الإدارية الرسمية، أو عبر السفارات اللبنانية في الخارج في حال السفر بواسطة دولة ثالثة، لإثبات هوياتهم اللبنانية وتسوية أوراقهم الثبوتية، لا سيما أوراق الأولاد الذين وُلدوا في الأراضي المحتلة.

تشكّل وثائق الولادة الصادرة عن جهات تابعة للاحتلال العائق القانوني الأكبر، نظرًا إلى أنّ السلطات اللبنانية تجرّم التعامل مع العدو وتعتبر وثائقه غير مشروعة. وتتم المعالجة القانونية وفق الإجراءات الآتية:

ـ تجنّب التصديق المباشر: يمنع القانون اللبناني منعًا باتًا الاعتراف بأي ختم إسرائيلي أو تصديق الأوراق الصادرة عن مؤسسات الاحتلال.

ـ إثبات النسب اللبناني: تشترط وزارة الداخلية اللبنانية إثبات حيازة الأب، أو الأم في الحالات المحددة قانونًا، الجنسية اللبنانية، من خلال وثائق رسمية صحيحة، كإخراج القيد أو الهوية اللبنانية، صادرة قبل تاريخ اللجوء.

ـ إجراء فحوصات الحمض النووي (DNA): في حال غياب الوثائق القاطعة أو حصول الولادة منذ سنوات طويلة من دون تسجيل، تطلب المحاكم اللبنانية المختصة، وهي محاكم الأحوال الشخصية، إجراء فحص الحمض النووي (DNA) لإثبات البنوة والنسب، كشرط أساسي لإصدار حكم قضائي بإثبات الولادة.

ـ التسجيل بموجب حكم قضائي متأخر: بما أنّ المهلة القانونية للتسجيل الإداري، وهي سنة واحدة من تاريخ الولادة، قد انقضت، يلجأ العائدون إلى إقامة دعاوى «قيد مولود متأخر» أمام القضاء المدني اللبناني. وبعد صدور الحكم، تُرسل الأوراق إلى المديرية العامة للأحوال الشخصية، لتسجيل الأولاد في دوائر النفوس اللبنانية ومنحهم الهوية الرسمية.

في ختام هذا الاستثناء، لا بدّ من التساؤل عن الفائدة العملية منه: لا نرى أي فائدة عملية منه، لأنّ استثناء عناصر جيش لبنان الجنوبي ما زال قائمًا، وبالتالي لا يمكن تصوّر استفادة عائلات هؤلاء من قانون العفو، إذ لا يمكن تصوّر فصل الأب عن سائر أفراد العائلة؛ فالقوانين الحديثة ترمي إلى جمع الشمل، لا إلى تفريقه!

وحتى المشمولون بالعفو، فإنّ معظمهم قد حصل على الجنسية الإسرائيلية، لا سيما الشباب منهم، وإنهم بنوا مستقبلهم على هذا الأساس؛ فلا يمكن تصوّر تخليهم عن الجنسية الإسرائيلية للعودة إلى لبنان والاستفادة من قانون العفو.

5 ـ لا يستفيد من قانون العفو مرتكبو جنايات التكرار في جرائم المخدرات التي تزيد على المرة الثانية، والمرتكبة قبل صدور هذا القانون، سواء صدرت أم لم تصدر بشأنها أحكام قضائية.

ـ جميع جرائم المخدرات المرتكبة من العسكريين وعناصر المؤسسات الأمنية.

ـ تُعتبر جرائم زراعة المواد المخدرة مشمولة بهذا العفو، في حال ارتكابها قبل صدور هذا القانون.

لقد ارتكب المشترع خطأً تقنيًا تشريعيًا عندما أطلق جريمة جديدة أسماها «جنايات التكرار بالمخدرات»، في حين أنه يقصد، في الحقيقة، المجرمين المكررين، لا جريمة التكرار؛ لأنّ التكرار سبب مشدد، وليس جريمة بحدّ ذاته.

وقد ورد حرفيًا في القانون: «جنايات التكرار بالمخدرات التي تزيد عن المرة الثانية، والمرتكبة قبل صدور هذا القانون».

وكان يجب أن تُصاغ على النحو الآتي: «لا يستفيد من قانون العفو مرتكبو جنايات المخدرات المكررون لأكثر من مرتين، إلخ.». لكن هذا الخطأ يبقى على مستوى المصطلح القانوني، ولا يتعداه إلى فهم مضمون النص. واللافت أنّ المشترع شمل بهذا النص الجرائم المرتكبة «قبل صدور هذا القانون»، وليس قبل 1 آذار 2026، ما يثير «الاستغراب» حيال هذا الاختلاف بين القاعدة العامة المذكورة في المادة الأولى بشأن شمول قانون العفو الجرائم المرتكبة قبل 1 آذار 2026، وبين عدم استفادة «مرتكبي جنايات المخدرات المرتكبة قبل صدور هذا القانون، المكررين لأكثر من مرتين».

لقد ذكرنا أعلاه أنه كان من الأنسب أن يشمل قانون العفو جميع الجرائم الواقعة قبل إقراره، وهذا ما ذكره القانون عند الكلام على جرائم المخدرات المرتكبة من مجرمين مكررين لأكثر من مرتين. وهذا الفرق غير المبرر يدعونا إلى التساؤل عمّا إذا كانت هناك «خياطة تشريعية على قياس البعض» أم لا؟

ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ «التكرار» المقصود هو التكرار القانوني بمفهوم قانون العقوبات، وليس تعدد الأفعال أو الملاحقات.

6 ـ الجرائم المتعلقة بجميع أنواع التعدي الخاضعة للملاحقة، والتي لا تزال مستمرة بتاريخ صدور هذا القانون، والواقعة على:

ـ الأملاك العامة للدولة على أنواعها.

ـ الأملاك العامة للبلديات.

ـ المشاعات البلدية والأهلية والأميرية.

ـ الأملاك العامة التابعة لمؤسسات عامة.

ـ الأملاك والمنشآت الخاصة بالدولة.

لا يشمل العفو الغرامات المقررة على المخالفات السابقة على صدور هذا القانون.

وهنا نكرّر الملاحظة ذاتها الواردة أعلاه، لجهة عدم التمييز بين الجرائم الواقعة قبل الأول من آذار 2026 وتلك الواقعة قبل صدور قانون العفو.

7 ـ الجرائم الواقعة على المال العام.

لم يحدّد المشترع هذه الجرائم، بل جاء تعبيره عامًا وفضفاضًا، وكان يقتضي تعدادها، كسرقة المال العام، والتهرب الضريبي، والتعدي على المال العام، أو الاستفادة غير المشروعة منه، إلخ.

8 ـ جرائم التزوير وتقليد النقد الوطني والأجنبي وترويجه، والنيل من مكانة الدولة المالية، وجرائم الإفلاس الاحتيالي، والجرائم المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف، وسائر القوانين والأنشطة المتعلقة بالمصارف. هل المقصود بالتزوير هنا جريمة التزوير بحدّ ذاتها، أم تزوير النقد الوطني؟ فأيهما الصحيح؟ إنّ الصياغة اللغوية توحي بأنّ المقصود هنا هو التزوير كجريمة مستقلة، إلا أنّ سياق النص والغاية منه يحملاننا على القول إنّ التزوير المقصود هو تزوير النقد الوطني، وليس التزوير بصورة عامة. وما يؤكد هذا التفسير أنّ العنوان الذي يسبق المادة 440 من قانون العقوبات هو «تزوير العملة والأسناد العامة»، ما يعني أنّ المقصود هو تزوير العملة، وليس التزوير كجرم مستقل. وكان الأجدر بالمشترع استعمال صيغة المجهول، لا المعلوم، للدلالة على المعنى الحقيقي للنص، كأن يقول: جرائم «تزوير وتقليد النقد الوطني»، وليس «جرائم التزوير وتقليد النقد الوطني».

9 ـ جرائم الإثراء غير المشروع الواردة في القانون رقم 189 تاريخ 16/10/2020، المتعلقة باختلاس الأموال العمومية، أو بإساءة الأمانة بها، أو سرقتها، أو بالأموال العائدة إلى المؤسسات المالية والمصرفية، والتهرب الضريبي. ويُقصد بها هنا جرائم الإثراء غير المشروع الناشئة فقط عن اختلاس الأموال العمومية، أو إساءة الأمانة بها، أو سرقتها، أو اختلاس الأموال العائدة إلى المؤسسات المالية؛ أي إنّ جرائم الإثراء غير المشروع ليست كلها مستثناة من العفو، بل تلك الناشئة فقط عن الجرائم المعددة في هذا البند.

10 ـ الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب رقم 44/2015، باستثناء من تُطبّق عليهم جريمة الرشوة في أحكام الفقرة السابقة من هذا القانون، والجرائم المخالفة لقانون النقد والتسليف، أيًا كان مرتكبوها، لا سيما الجرائم المرتبطة بأموال المودعين والجرائم المتعلقة بالجرائم المصرفية على أنواعها.

إنّ صياغة هذا البند غير موفقة، وتبعث على الخطأ في تفسير مضمونها الحقيقي، إذ إنّ المشترع استثنى من الاستثناء من تُطبّق عليهم جريمة الرشوة المنصوص عليها في الفقرة السابعة من المادة ذاتها، والجرائم المرتبطة بأموال المودعين، والجرائم المتعلقة بالجرائم المصرفية على أنواعها.

من الوجهة الشكلية، إنّ الاستثناء من الاستثناء يعني العودة إلى القاعدة، أي شمول هذه الجرائم بالعفو! وهو الأمر الذي لم يقصده المشترع، إذ إنّ قصده الحقيقي اتجه إلى القول إنّ جريمة الرشوة مشمولة بجرائم الإثراء غير المشروع الواردة في القانون رقم 189 تاريخ 16/10/2020، لكنه أغفل تعدادها في البند التاسع أعلاه.

إنّ الملاحظة الشكلية أعلاه، المتعلقة بجريمة الرشوة، والتي أثرنا في خصوصها منهجية التفسير الصحيحة الواجب اتباعها، تُثار أيضًا في خصوص الجرائم المخالفة لقانون النقد والتسليف، أيًا كان مرتكبوها، لا سيما الجرائم المرتبطة بأموال المودعين والجرائم المتعلقة بالجرائم المصرفية على أنواعها. فهذه الجرائم استثناها من الاستثناء، ما يدفع إلى القول إنّ المشترع شملها بقانون العفو! إلا أنّ حقيقة ما قصده المشترع مخالفة تمامًا لهذا الاستنتاج، لأنّ هذه الجرائم سبق له أن شملها بالاستثناء من العفو في البند الثامن من المادة الثانية، ما يؤكد أنّها مستثناة من العفو.

إنّ المشترع لم يوفّق منهجيًا في صياغة كل ما ذكره من استثناءات بالنسبة إلى الجرائم المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف وسائر القوانين المتعلقة بالمصارف، فأوردها في بندين مختلفين، هما البندان الثامن والعاشر من المادة الثانية، بل كان يجب أن يكتفي بذكرها في البند الثامن، مع إضافة الجرائم المصرفية والجرائم المتعلقة بأموال المودعين، من دون ذكرها مجددًا في البند العاشر، وكأنّها استثناء من الاستثناء، أي عودة إلى القاعدة، ما يوحي، خطأً، بأنّها مشمولة بالعفو؛ إذ كان يجب أن يُصاغ البندان الثامن والعاشر بصورة أكثر وضوحًا، خصوصًا أنّ الغموض في النص سبب من أسباب الإبطال التي أخذ بها المجلس الدستوري منذ زمن بعيد.

لكن، هنا أيضًا، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ المشترع لم يوفّق في اعتماد المصطلحات المناسبة؛ فلا وجود لما يسمى «الجرائم المصرفية على أنواعها»! فالمصارف قد ترتكب أي جرم معاقب عليه قانونًا! وبالتالي، فإنّ عدم إخضاع هذا الجرم للعفو إذا ارتكبه المصرف، في مقابل إخضاعه للعفو إذا ارتكبه أي طرف آخر، يجعل القانون عرضة للطعن أمام المجلس الدستوري لمخالفته قاعدة «المساواة» المكرسة في الدساتير والمواثيق الدولية.

11 ـ الجرائم المنصوص عليها في القوانين المتعلقة بالآثار.

12 ـ جرائم الاغتصاب وسفاح القربى والاتجار بالبشر والعنف الأسري والاعتداء الجنسي على القصّر، وأحكام قانون معاقبة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة رقم 65/2017، وقانون المفقودين والمخفيين قسرًا رقم 105/2018.

13 ـ جرائم السرقة وفقًا للآتي:

ـ الجنايات في حال تكرار الملاحقات أو الأحكام أكثر من مرتين.

ـ الجنح في حال تكرار الملاحقات أو الأحكام أكثر من ثلاث مرات.

يستوجب هذا البند إبداء الملاحظات الآتية:

ماذا يعني المشترع بتكرار الملاحقات أو الأحكام؟

نصّ المشترع على التكرار في الفصل الثاني، المخصص للتكرار، وتحديدًا في البند الثاني منه، في المواد 258 و259 و260 و261 من قانون العقوبات. والتكرار، كسبب مشدد، يستوجب صدور حكم مبرم وارتكاب جريمة أخرى، حسبما هو منصوص عليه في المواد المذكورة. لكنه لم ينص إطلاقًا على تكرار الملاحقة، فتكون شروط التكرار، كسبب مشدد، غير مقصودة هنا؛ بل إنّ المقصود هو تكرار الملاحقة، أي الحالة التي يكون فيها المجرم قد ارتكب جريمة أخرى، فيما لم يصدر في الجريمة الأولى أي حكم مبرم، بل ما زالت قيد الملاحقة، على أن يحصل ذلك في الجنايات أكثر من مرتين، أي ثلاث مرات على الأقل فأكثر، وفي الجنح أكثر من ثلاث مرات، أي أربع مرات على الأقل فأكثر.

أي إنّ المشترع اعتمد هنا معيارين: التكرار القانوني، إذا صحّ التعبير، المنظّم في قانون العقوبات، والذي يفترض بدايةً صدور حكم مبرم؛ والتكرار غير القانوني، إذا صحّ التعبير، أي غير المنصوص عليه في قانون العقوبات. لكن هذا النص يثير أيضًا العديد من الإشكاليات، إذ إنّ الملاحقات قد تقترن بالإدانة أو بعدمها! فهل يمكن اعتماد التكرار «في الملاحقة» قبل معرفة ما إذا كانت ستقترن بالإدانة أم لا؟!

14 ـ الجرائم البيئية المنصوص عليها في قانون حماية البيئة رقم 444 تاريخ 29/7/2002، والنصوص ذات الصلة. وهنا يُطرح السؤال: ما هي النصوص ذات الصلة؟!

ثالثًا: تخفيض العقوبات

نصّت المادة الثالثة من قانون «منح عفو عام وتخفيض مدة بعض العقوبات بشكل استثنائي» على أنه: «خلافًا لأي نص آخر، وفي الجرائم التي حصلت قبل تاريخ نفاذ هذا القانون، سواء صدرت فيها أحكام أم لم تصدر، ولم يشملها العفو، تُستبدل مدة العقوبات على النحو الآتي:

1 ـ تصبح عقوبة الإعدام 28 سنة سجنية.

2 ـ تصبح عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة 17 سنة سجنية.

3 ـ تُخفّض سائر العقوبات المتبقية بمقدار الثلث.

وفي جرائم القتل العمدي أو القصدي المقترنة أو المصاحبة بالظروف المشددة الآتية:

ـ الاغتصاب أو الاعتداء الجنسي.

ـ إذا ارتكبها أحد الأصول أو الفروع، أو من له سلطة أو ولاية أو وصاية على الضحية.

ـ إذا اقترنت بالتعذيب أو الوحشية أو التشويه أو الخطف.

ـ إذا ارتُكبت في إطار الاغتيال السياسي.

وكان المتضرر قد اتخذ صفة الادعاء الشخصي قبل 1/3/2026، فلا يستفيد المحكوم من التخفيض إلا بعد إسقاط الحق الشخصي».

تستوجب حالات تخفيض العقوبات إبداء الملاحظات الآتية:

1 ـ خلافًا لما أدلى به البعض من أنّ قانون العفو لا يمكن أن يتضمن تخفيضًا للعقوبات، فإنّ المشترع «سيّد نفسه»، وقد أقرّ تخفيض العقوبات بموجب «قانون». ولا يغيّر من الأمر شيئًا أن يكون هذا القانون قانون عفو عام أو سواه، بل تبقى العبرة بصفته قانونًا.

2 ـ نصّ المشترع في الفقرة الأولى من المادة الثالثة على أنه «تُستبدل» مدة العقوبات، فيما عنوان القانون هو «تخفيض مدة بعض العقوبات بشكل استثنائي».

فإذا كان صحيحًا أنّ «الاستبدال» و«التخفيض» يؤديان إلى المضمون نفسه، فإنه كان من المستحسن أن يوحّد المشترع المصطلح، فلا يستعمل في العنوان عبارة «تخفيض»، ثم يعتمد في النص عبارة «استبدال»، خشية أن يقع القارئ في الالتباس.

3 ـ شمل «التخفيض» الجرائم المرتكبة قبل «تاريخ نفاذ» القانون، وليس قبل تاريخ 1 آذار 2026، كما ورد النص عليه في المادة الأولى من القانون.

4 ـ لا تخضع لتخفيض العقوبة سوى الجرائم التي لم يشملها العفو.

5 ـ نصّ القانون، في البند الأول من المادة الثالثة منه، على أنّ عقوبة الإعدام تصبح 28 سنة سجنية؛ وكان يقتضي هنا تطبيق القانون رقم 68 تاريخ 20/8/2026، الذي نصّ على إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان، كما نصّ في المادتين الثانية والثالثة منه على تعديل المادة 37 من قانون العقوبات، وعلى أنه: «تُستبدل عقوبة الإعدام بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة بالنسبة إلى الجرائم المرتكبة بعد نفاذ هذا القانون».

أما الجرائم المرتكبة قبل نفاذ هذا القانون، فتُستبدل فيها عقوبة الإعدام بالعقوبة التي تليها مباشرة، وهي عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة؛ أي إنّ عقوبة الإعدام، في الجرائم المرتكبة قبل نفاذ قانون إلغاء عقوبة الإعدام في 20/8/2026، وهو تاريخ نشره في العدد 36 من الجريدة الرسمية، تصبح 28 سنة سجنية.

أما الجرائم المرتكبة بعد نفاذ قانون إلغاء عقوبة الإعدام في 20/8/2026، والتي استُبدلت فيها عقوبة الإعدام بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة، وفقًا للمادة الثالثة من قانون إلغاء عقوبة الإعدام، فإنها، وفقًا للفقرة «ب» من المادة الخامسة من قانون إلغاء عقوبة الإعدام، تخضع للنص الآتي: «لا يستفيد المحكومون بعقوبة الإعدام، المستبدلة عقوبتهم بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة، إلا من التخفيض المنصوص عليه في قانون تنفيذ العقوبات رقم 463 تاريخ 17/9/2002»؛ ذلك أنّ المشترع انتهج هذا النهج كي لا يستفيد المحكومون بعقوبة الإعدام، المستبدلة عقوبتهم بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة، مرتين: مرة من التخفيض الممنوح لهم بمقتضى قانون إلغاء عقوبة الإعدام، ومرة ثانية من قانون العفو وتخفيض العقوبات. لكنه أبقى على استفادتهم من التخفيض المنصوص عليه في قانون تنفيذ العقوبات رقم 463 تاريخ 17/9/2002.

وهذا ما أمّن تناسقًا بين قانون إلغاء عقوبة الإعدام وقانون العفو، لأنّ المادة الثالثة من قانون إلغاء عقوبة الإعدام استبدلت عقوبة الإعدام بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة بالنسبة إلى الجرائم المرتكبة بعد نفاذه، أي بعد 20/8/2026. أما الجرائم المرتكبة قبل نفاذ قانون إلغاء عقوبة الإعدام في 20/8/2026، فتُستبدل فيها عقوبة الإعدام بالعقوبة التي تليها مباشرة، وهي عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة، وفقًا للمادة الثالثة من قانون إلغاء عقوبة الإعدام. هذا، مع الإشارة إلى أنّ «استبدال» العقوبة المنصوص عليه في المادة الثالثة من قانون العفو يُطبّق على الجرائم الواقعة قبل تاريخ نفاذه، أي تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، وليس قبل تاريخ 1 آذار 2026 المذكور في المادة الأولى من قانون العفو؛ علمًا بأنّ الفترة الزمنية الممتدة بين تاريخ نفاذ قانون إلغاء عقوبة الإعدام في 20/8/2026 وتاريخ نفاذ قانون العفو هي فترة قصيرة جدًا، ما يجعل الاستفادة العملية من التخفيض ضئيلة جدًا. هذا، مع التذكير بأنّ عقوبة الإعدام، بالنسبة إلى الجرائم المرتكبة قبل نفاذ قانون إلغاء عقوبة الإعدام في 20/8/2026، تُستبدل بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة، وهي العقوبة التي تليها مباشرة، وفقًا للفقرة الثانية من المادة الثالثة من قانون إلغاء عقوبة الإعدام.

أما الشق الثاني من المادة الثالثة، فيستوجب إبداء الملاحظات الآتية:

أ ـ لا بدّ، بادئ ذي بدء، من إبداء ملاحظة شكلية تتعلق باستعمال المشترع عبارتي «المقترنة» و«المصاحبة» بالظروف المشددة، فيما المقصود واحد، وكان الأجدر به الاكتفاء باستعمال إحدى العبارتين دون الأخرى، للحؤول دون الإيحاء بأنّ لكل عبارة مدلولًا خاصًا بها؛ فضلًا عن أنّ المشترع يجب أن يختصر في التعابير، وألا يستعمل منها إلا ما كان دالًا على المعنى.

ب ـ ذكر المشترع أسبابًا مشددة في المادة الثالثة غير مذكورة في المادتين 548 و549 من قانون العقوبات، ما يثير إشكاليات عدة في التفسير، لأنّ المشترع، في المادة المذكورة، لم يختر من بين أسباب التشديد المذكورة في المادتين أعلاه، بل اختار أسبابًا بعضها غير مذكور في أي منهما؛ فهل إنّ أسباب التشديد الواردة في المادتين 548 و549 مذكورة على سبيل الحصر أم على سبيل المثال؟

نميل إلى القول إنها مذكورة على سبيل الحصر، وكان على المشترع، في المادة الثالثة، التقيّد بحرفية المادتين 548 و549 من قانون العقوبات، وعدم إضافة أسباب تشديد أخرى غير مذكورة في المادتين المذكورتين؛ ما قد يثير إشكاليات قانونية وعملية عدة كنا في غنى عنها، وربما يعرّض القانون للطعن أمام المجلس الدستوري لهذه الجهة؛ وهذا ما حصل فعلًا.

فطالما أنّ المشترع عدّد الأسباب المشددة في المادتين 548 و549 من قانون العقوبات، فهذا يعني أنه لم يشأ أن يترك للقاضي خيار إضافة أسباب مشددة أخرى إليها، وذلك عملًا بمبدأ شرعية العقوبات المنصوص عليه في المادة السادسة من قانون العقوبات والمادة الثامنة من الدستور اللبناني؛ ما يعرّض المادة الثالثة المذكورة للإبطال نتيجة الطعن الحاصل أمام المجلس الدستوري.

ج ـ أما ما نصّت عليه الفقرة الأخيرة من المادة الثالثة، لجهة اشتراط حصول «المحكوم» على إسقاط للحق الشخصي للاستفادة من التخفيض، فإننا ندلي بشأنه بالآتي:

نسجّل، بادئ ذي بدء، ما يأتي: تنصّ الفقرة الأولى من المادة الثالثة، بشأن الاستفادة من «استبدال» العقوبة، على أنها تشمل الجرائم التي حصلت قبل تاريخ نفاذ القانون ولم يشملها العفو، سواء صدرت فيها أحكام أم لم تصدر؛ فيما تنصّ الفقرة الثانية، المتعلقة بشرط الاستفادة من إسقاط الحق الشخصي في جرائم القتل العمدي أو القصدي المقترنة بالظروف المشددة المعددة في الفقرة الثانية من المادة المذكورة، على عدم استفادة «المحكوم»، أي الذي صدر بحقه حكم، خلافًا للفقرة الأولى التي لا تشترط صدور حكم بحقه، من التخفيض إلا بعد إسقاط الحق الشخصي.

أي إنه يجب التمييز بين استبدال العقوبة في جميع الجرائم الحاصلة قبل تاريخ نفاذ القانون وغير المشمولة بالعفو، وبين جرائم القتل العمدي أو القصدي المقترنة بالظروف المشددة المعددة في المادة الثالثة، والتي يجب أن يكون قد صدر فيها حكم، ولا يستفيد فيها المحكوم عليه من التخفيض إلا بعد الحصول على إسقاط للحق الشخصي، إذا كان المتضرر قد اتخذ صفة الادعاء الشخصي قبل 1/3/2026. فهنا يجب أن يكون قد صدر حكم، أما في الجرائم الأخرى، غير جرائم القتل العمدي أو القصدي التي رافقتها ظروف مشددة منصوص عليها في المادة الثالثة، فإنّ الملاحقة تكفي، سواء صدرت في هذه الجرائم أحكام أم لم تصدر، بل يكفي أن تكون قد اقتُرفت، أو «حصلت» بحسب نص القانون، قبل تاريخ نفاذ قانون العفو. لكن يبقى السؤال مطروحًا: ماذا بشأن الملاحقة التي لم تنتهِ إلى الإدانة؟!

أضف إلى ذلك أنه تقتضي الإشارة إلى أنّ صاحب الحق الشخصي لا يمثُل في الدعاوى العالقة أمام المحكمة العسكرية، بل عليه انتظار صدور حكم مبرم عنها، ثم يعود ويطالب بحقوقه الشخصية أمام القضاء المدني. فلا يمكنه هنا الاستفادة من التعويضات الشخصية، لأنه يستحيل عليه اتخاذ صفة الادعاء الشخصي قبل 1/3/2026، طالما لم يصدر بعد حكم مبرم عن المحكمة العسكرية.

وإذا كان المشترع قد شاء إخراج النص على هذه الصورة، فربما لأنه لم يشأ أن يعمد المتضرر الشخصي إلى ابتزاز المحكوم عليه، أو إلى تعطيل قانون العفو بإرادته التعسفية المنفردة؛ لكنه كان عليه أن يكون أكثر «يقظة»، وأن يتنبه إلى موضوع الحقوق الشخصية أمام المحكمة العسكرية، فيفرد لها فقرة خاصة، أو يصوغ المادة الثالثة بطريقة مختلفة.

رابعًا: الاختصاص بالنظر في الحقوق الشخصية

تنصّ الفقرتان الأولى والثانية من المادة الرابعة من القانون على أنّ الاختصاص بالنظر في الحقوق الشخصية الناجمة عن جرم شمله العفو الكامل أو مرور الزمن أو تخفيض العقوبات يبقى من اختصاص المحاكم الجزائية، إذا كانت دعوى الحق العام قد قُدّمت مباشرة إلى المراجع الجزائية أو أُحيلت إليها قبل العمل بهذا القانون.

أما دعاوى الحق الشخصي الأخرى الناجمة عن جرم جزائي شمله العفو الكامل أو مرور الزمن، فتفصل فيها المحاكم المدنية أو الإدارية المختصة، وتُطبّق بشأنها قوانين الرسوم المعمول بها في الدعاوى المدنية أمام القضاء الجزائي.

لا تخلو هاتان الفقرتان من بعض الغموض في الصياغة، وكان يقتضي تخصيص الفقرة الأولى لدعاوى الحق الشخصي في الجرائم التي تنظر فيها المحاكم الجزائية، ولم يتم الفصل فيها بعد بحكم مبرم قبل العمل بقانون العفو؛ فيما تكون المحاكم المدنية مختصة بالدعاوى التي فُصل فيها أمام المحاكم الجزائية بحكم مبرم، ولم يتخذ المدعي أمامها صفة الادعاء الشخصي.

أما الدعاوى العالقة أمام المحاكم الجزائية التي لم يتم الفصل فيها بحكم مبرم، ولم يتخذ المدعي أمامها صفة الادعاء الشخصي، فيجوز له اتخاذ هذه الصفة أمام المحاكم الجزائية التي لا تزال الدعوى عالقة أمامها.

ونسجّل خطأين قانونيين وردا في الفقرة الأخيرة من المادة الرابعة، التي جاء فيها أنه يحق للمدعي، عند تنفيذ الحكم بالتعويض الصادر عن المحاكم الجزائية أو «العادية»، أن يطلب حبس المحكوم عليه إكراهيًا، وفقًا لأحكام قانون «أصول المحاكمات الجزائية» وقانون العقوبات.

الخطأ الأول هو على مستوى المصطلح القانوني، إذ كان يجب على المشترع استعمال عبارة «المحاكم المدنية»، لا «المحاكم العادية»، وكان المقصود، بطبيعة الحال، المحاكم المدنية.

أما الخطأ الثاني، فهو إيراد المشترع أنّ الحق في طلب حبس المحكوم عليه إكراهيًا، وليس «إكراهًا» كما ورد في النص، منصوص عليه في المادة 46 من قانون العقوبات والمادة 997 من قانون أصول المحاكمات المدنية، وليس في قانون أصول المحاكمات الجزائية، كما ورد خطأً في القانون.

خامسًا: إخلاءات السبيل

جاء في المادة الخامسة من القانون أنه، استثنائيًا، وفي جميع الجرائم المرتكبة قبل تاريخ 1/3/2026 التي لم يصدر فيها أي حكم، وفي حال تجاوزت مدة التوقيف 12 سنة سجنية، يُخلى سبيل المدعى عليه حكمًا، وتستمر محاكمته وفقًا للأصول القانونية. وقد أتت هذه المادة بسبب عدم تطبيق المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، الذي أسهم عدم تطبيقها في اكتظاظ السجون، وكان ذلك أحد الأسباب المبررة لقانون العفو الحاضر.

وتنصّ المادة السابعة من القانون على أنّ غير اللبنانيين المستفيدين من أحكام قانون العفو يُسلّمون، فور إخراجهم من السجن، إلى المديرية العامة للأمن العام لإجراء المقتضى وفقًا للأصول القانونية.

كما نصّت المادة التاسعة من القانون على أنه، بصورة استثنائية، يُعفى جميع المحكومين الذين أمضوا مدة عقوبتهم قبل تاريخ نشر هذا القانون، وما زالوا مسجونين لعدم تسديد الغرامات المالية المحكوم بها عليهم، من جميع الغرامات والرسوم، من أي نوع كانت، ليُصار إلى إخراجهم من السجن.

كما نصّت المادة الثامنة على أنه لا تُردّ الرسوم والتأمينات والغرامات التي تم استيفاؤها، ولا الأشياء الممنوعة قانونًا التي تمت مصادرتها أو ضبطها في جميع الدعاوى التي شملها العفو.

سادسًا: إدغام العقوبات وجمعها:

عدّل المشترع، بموجب المادة العاشرة من القانون، المادة 205 من قانون العقوبات، التي تنصّ على إدغام العقوبات كمبدأ وجمعها كاستثناء، خلافًا للاقتراح السابق الذي لم يقرّه مجلس النواب، والذي كان ينصّ على الإدغام الإلزامي للعقوبات. فأبقى على الإدغام كمبدأ، لكنه عدّل الاستثناء، فنصّ على جواز الجمع بين العقوبات المحكوم بها، على ألّا يزيد مجموع العقوبات المؤقتة على أقصى العقوبة المعيّنة للجريمة الأشد إلا بمقدار «ربعها»، بدلًا من «نصفها» الوارد في نص المادة 205 من قانون العقوبات، على أن تُعدّل لمرة واحدة وحصرًا لدواعي تطبيق قانون العفو.

في الخلاصة، يجب أن يكون قانون العفو ليس فقط إصلاحًا لواقع رديء أدّى إلى اكتظاظ السجون وتحويل الموقوفين غير المحكومين إلى معتقلين، بل أمثولة للمستقبل، كي لا نقع في المشكلة نفسها ونصبح بحاجة إلى قانون عفو جديد!

أما بالنسبة إلى الأخطاء التشريعية التي تعتوره، فهي عديدة، وسبق أن عبّرنا عنها في معرض مقالات أخرى، بصدد قوانين تعليق المهل وقوانين الإيجارات المتكررة، إلخ. ووصفناها بأنها ناشئة عن «الفوضى التشريعية» التي باتت متأصلة في ثقافتنا التشريعية الحاضرة، والتي يجب الإقلاع عنها والعودة إلى تقاليدنا التشريعية السليمة.

لكن، ليس تخفيفًا من مسؤولية المشترع، بل تعبيرًا عن الحقيقة، نقول إنّ قانون العفو، كسائر القوانين الاستثنائية، تتم صياغته بسرعة، وهو معدّ لأن يستمر في الزمن مدة محددة، فغالبًا ما تعتور هذه القوانين أخطاء في الصياغة التشريعية، ولكن ليس إلى الحد الذي وقع فيه المشترع في هذا القانون! ومن ناحية أخرى، فإنّ المنهجية التشريعية لا تفرض على المشترع أن «يقول كل شيء»، فأشياء كثيرة يترك المشترع للقضاء تفسيرها أو الحكم فيها؛ إذ تنصّ قواعد تفسير القوانين على كيفية تفسير النصوص الغامضة أو الناقصة، وهذا ما يقتضي فعله، من دون أن نغفل أنّ أخطاء المشترع في هذا القانون كانت كبيرة، وتجاوزت الحد المعقول في التشريع. لكن الحل لا يكون بـ«جلد» القانون، بل بتفسيره جيدًا، انطلاقًا من القواعد التي تحكم تفسير القوانين.

والحل، برأينا، بالنسبة إلى من يرون أنه لا يمكن انتظار تفسير القضاء للقانون، ليس بالطعن فيه أمام المجلس الدستوري، بل بإصدار مجلس النواب قانونًا تفسيريًا له، في ضوء الاعتراضات الحاصلة. لكن الطعن قد حصل وأصبح واقعًا، فلننتظر النتيجة، والله أعلم!

مقالات الكاتب

د. عبده جميل غصوب

دكتور في الحقوق، بروفسور لدى كليات الحقوق، محام بالاستئناف، مستشار قانوني في الإمارات العربية المتحدة ـ دبي، خبير قانوني دولي معتمد لدى عدة منظمات قانونية دولية.