إنه أحد أضخم الأسئلة وأكثرها إثارة في العِلم: ماذا الذي كان موجوداً قبل الانفجار العظيم؟ في الحقيقة، تلامس الإجابة عن السؤال حدود ما يستطيع العقل البشري استيعابه. لكن ذلك لم يمنع العلماء من المحاولة، ولا ينبغي له أن يمنعهم.
كان الانفجار العظيم، في واقع الأمر، بداية الكون. ووفقاً للمنطق البشري، ولأننا كائنات تفكّر بطريقة خطية وتتمحور خبرتها حول الزمن، فلا بدّ، في تصورنا، من أن شيئاً ما كان موجوداً قبل الانفجار العظيم. لكن، من الناحية التقنية، لا وجود لما يمكن تسميته «قبل» الانفجار العظيم، لأن الزمن نفسه لم يكن موجوداً حتى تلك اللحظة.
تفسيرات محتملة
لدى علماء الفيزياء بالفعل طرائق تتيح لهم التفكير في الأزمنة السابقة لنشأة الكون، بل وحتى دراستها تجريبياً.
مقترح «اللا حدود»
اقترح عالِما الفيزياء ستيفن هوكينغ وجيمس هارتل أن الزمان والمكان يشكّلان سطحاً مغلقاً ومستديراً؛ أي نصف كرة رباعية الأبعاد من الزمكان.
لنتخيّل الكون على هيئة الكرة الأرضية، بحيث يمثّل الانفجار العظيم القطب الشمالي. عندئذ لا يكون هناك شيء يُسمّى «قبل» الانفجار العظيم، تماماً كما لا يوجد موقع يقع إلى الشمال من القطب الشمالي. وبهذا المعنى، يصبح مفهوم «ما قبل» غير ذي صلة.
الكون الدوري
بدوره، اقترح عالِم الفيزياء بول شتاينهارت، بعد عمله على نموذج التضخم الكوني، نموذجاً لكون دوري يتضخم حجمه بدرجة كبيرة، كما يبدو أن كوننا يفعل في الوقت الراهن، ثم ينكمش قليلاً، قبل أن يبدأ بالتمدد مجدداً مرة أخرى.
لا يُعدّ الانتقال السريع بين مرحلتي الانكماش والتمدد انفجاراً، بل يُسمّى «الارتداد العظيم». وقد تتمكن الأجسام المتبقية من دورات التمدد السابقة من اجتياز مرحلة الانكماش والانتقال إلى دورة كونية لاحقة.
الكون المرآة
من ناحيته، يلفت عالِم الفيزياء لاثام بويل: «هناك الكون الذي أعقب الانفجار العظيم، والكون الذي سبق الانفجار العظيم، وهما، إلى حدّ ما، صورتان مرآتيتان أحدهما للآخر».
في النموذج الذي يقترحه بويل، يمكن تخيّل كونين يشبهان رأسي مخروطَي مثلجات يتلامسان عند نقطتيهما، بحيث تمثّل نقطة التلامس بينهما الانفجار العظيم.
ويضيف بويل: «يمضي الزمن مبتعداً عن الانفجار العظيم في كلا الاتجاهين. ففي جانبنا، يسير الزمن إلى الأمام؛ أما في الجانب المرآتي، فيسير إلى الخلف».
من غير المعقول؟
العام الماضي، قال جان-لوك لينرز، الرئيس السابق لمجموعة عِلم الكونيات النظري في معهد ماكس بلانك لفيزياء الجاذبية، المعروف أيضاً باسم معهد ألبرت أينشتاين في ألمانيا: «أعتقد أنه من غير المعقول تماماً أن يُفترض بنا، في عام 2025، أن نفهم بداية الكون».
وبعبارة أخرى، إذا نظرنا إلى المسألة في إطارها الكوني الواسع، فإننا لا نزال في بداية رحلتنا نحو فهم… «ما قبل الزمن».
ترجمة بتصرّف عن موقع “Scientific American”

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
