يُفترض أن تكون هيئة الشراء العام إحدى أهم ركائز حماية المال العام وتعزيز الشفافية في الدولة اللبنانية. لكن، عندما يتعلّق الأمر بتعيين رئيسها وأعضائها، تبرز أسئلة تستحق أجوبة واضحة، ولا سيما أنّ الهيئة نفسها يُفترض أن تكون نموذجًا في تطبيق القانون والالتزام بالشفافية.
فأين هي تفاصيل عملية اختيار رئيس هيئة الشراء العام وأعضائها؟ وأين الإعلان الكامل، وشروط الترشيح، وعدد الطلبات المقدّمة والمقبولة، ونتائج التقييم والمقابلات؟
لا نتحدث هنا عن آلية وضعتها الهيئة من عندها، بل عن نص قانوني واضح؛ إذ تنصّ المادة 78 من قانون الشراء العام رقم 244، تاريخ 29 تموز 2021، صراحةً على الآتي: «يُعدّ مجلس الخدمة المدنية الإعلان لملء مركز رئيس وأعضاء الهيئة، والمتضمّن المؤهلات والشروط الواجب توافرها، بالإضافة إلى معايير تقييم المرشحين التي تعتمدها اللجنة المشار إليها في البند “ز”، وينشره على الموقع الإلكتروني للمجلس، على أن يتضمّن النشر مهلة تقديم طلبات الترشيح».
كما تنصّ المادة نفسها على أن تُقدَّم طلبات الترشيح عبر استمارة إلكترونية موحّدة موجودة على الموقع الإلكتروني لمجلس الخدمة المدنية، وأن يتولى المجلس قبول الطلبات المستوفية للشروط وإعداد اللوائح المتعلقة بالطلبات المقبولة وغير المقبولة.
وهنا يُطرح سؤال آخر يتعلق بدور وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية: إذا كان القانون قد أناط بمجلس الخدمة المدنية إعداد إعلان ملء مركز رئيس هيئة الشراء العام وأعضائها ونشره على موقعه الإلكتروني، فما دور وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية في نشر هذين الإعلانين على منصتها؟
ولماذا ظهر إعلان رئيس هيئة الشراء العام وأعضائها على موقع الوزارة بصورة منفصلة، من دون أن يُدرج ضمن جدول الإعلانات الأخرى بالطريقة نفسها؟ ولماذا لم يظهر الإعلان، بشروطه ومضمونه وتفاصيله، ضمن جدول الوظائف المعلَن عنها، كما تظهر سائر الوظائف على المنصة؟
هل اقتصر دور وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية على إعادة نشر إعلان أعدّه مجلس الخدمة المدنية؟ أم كان لها دور آخر في هذه العملية؟ وأين يمكن للرأي العام الاطلاع على الإعلان الأصلي الكامل الذي أعدّه مجلس الخدمة المدنية؟
ومن تولّى تقييم المرشحين؟
بحسب «شروط وآلية تعيين رئيس وأعضاء هيئة الشراء العام» المنشورة رسميًا، تتولى تقييم الطلبات لجنة مؤلفة من أربعة أعضاء، هم: رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، ورئيس ديوان المحاسبة، ورئيس مجلس الخدمة المدنية، ورئيس التفتيش المركزي. وتتولى هذه اللجنة تقييم الطلبات المستوفية للشروط، ووضع العلامات وفق المؤهلات والخبرات وغيرها من المعايير، ثم إجراء المقابلات الشفهية وترتيب المرشحين. فأين نتائج عمل هذه اللجنة المؤلفة من المسؤولين الأربعة؟ أين العلامات؟ أين ترتيب المرشحين؟ ومن هم الذين نجحوا في المقابلات؟ ومن يرفع الأسماء إلى مجلس الوزراء؟
هنا أيضًا، لا بد من توضيح المسؤوليات بدقة. فبحسب آلية التعيين المنشورة رسميًا، يتولى مجلس الخدمة المدنية قبول الطلبات وإعداد اللوائح، فيما تتولى لجنة الاختيار تقييم المرشحين وإجراء المقابلات ووضع العلامات والترتيب، ويتولى رئيس مجلس الخدمة المدنية تنسيق أعمال اللجنة وإدارتها.
أما بعد انتهاء المقابلات، فالنص واضح: «يقترح رئيس مجلس الوزراء أسماء الناجحين في المقابلة الشفهية لكلّ منصب وفقًا لترتيب العلامات، لعرضها على مجلس الوزراء ليصار إلى اختيار من يعيّنهم».
وعليه، فالسؤال الأدق هو: هل جرى الالتزام بالآلية التي تجعل رئيس مجلس الوزراء يقترح الأسماء وفق ترتيب العلامات الذي وضعته لجنة الاختيار؟ وهل كانت الأسماء التي عُرضت على مجلس الوزراء فعلًا هي الأسماء الأعلى ترتيبًا؟ وإذا كانت اللجنة المؤلفة من رؤساء هذه المؤسسات الأربع قد قيّمت المرشحين ورتبتهم، فمن حق الرأي العام أن يعرف كيف جرى هذا التقييم، خصوصًا أنّ الأمر يتعلق بهيئة يُفترض أن تكون عنوانًا للشفافية في الصفقات العامة.
ثمّة سؤال آخر لا يقل أهمية يتعلق بإعادة فتح باب الترشيح، بعدما أفادت تقارير صحافية بإعادة فتح باب الترشيحات في تموز 2026، بعد انتهاء مرحلة المقابلات. وإذا كان ذلك قد حصل فعلًا، فما الأساس القانوني لإعادة فتح الباب بعد انتهاء هذه المرحلة؟ ومن طلب ذلك؟ ولماذا؟ وهل أثّر هذا الإجراء في ترتيب المرشحين الذين تقدّموا ضمن المهلة الأولى أو في فرصهم؟
أما اسم جان العليّة، الذي عُيّن رئيسًا للهيئة الجديدة، فيطرح بدوره أسئلة مشروعة حول مسار ترشيحه واختياره. هل تقدّم ضمن الإعلان الأول؟ وإذا كان قد تقدّم، فما موقعه في ترتيب العلامات؟ وإذا لم يتقدّم، فما المسار الذي أوصل اسمه لاحقًا إلى رئاسة الهيئة؟
ولا بد هنا من التوقف عند نقطة أساسية لا تحتمل الالتباس: في قانون الشراء العام رقم 244، تاريخ 29 تموز 2021، تحمل المادة 79 عنوان «حالات التمانع والتفرغ»، وتنصّ حرفيًا في فقرتها الثانية على الآتي: «يقتضي أن يكون كلٌّ من الرئيس والأعضاء متفرغًا». والأهم أنّ الفقرة الرابعة من المادة نفسها تنصّ على حظر ممارسة الرئيس والأعضاء أي عمل آخر، عامًا كان أم خاصًا، مأجورًا أم غير مأجور، خلال تولّيهم مهماتهم.
في المقابل، فإن مقررات مجلس الوزراء الصادرة في 7 آب 2026، عند إعلان تعيين رئيس هيئة الشراء العام وأعضائها، وصفت عمر أحمد البراج، ومحمود مروان سيف الدين، وريما محمود بزي، ورنا سامي رزق الله، بأنهم «أعضاء غير متفرغين».
وهنا يُطرح السؤال الذي لا يمكن تجاهله: كيف وُصف أعضاء هيئة الشراء العام رسميًا بأنهم «غير متفرغين»، فيما ينصّ قانون الشراء العام صراحةً على وجوب أن يكون الرئيس والأعضاء متفرغين؟ هل طرأ تعديل قانوني على النص؟ وهل ثمة تفسير قانوني محدد؟ وهل توجد آلية أو حالة استثنائية تسمح بذلك؟ أم أنّ عبارة «غير متفرغين»، الواردة في قرار مجلس الوزراء، ليست سوى خطأ في الصياغة؟
لا يطلب الرأي العام أكثر من جواب قانوني واضح.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ يطرح اسم عمر أحمد البراج سؤالًا إضافيًا يتعلق بوضعه الوظيفي ومهمته السابقة داخل الهيئة، وما إذا كان قد صدر القرار الإداري والقانوني اللازم لتحديد وضعه الوظيفي بعد تعيينه عضوًا فيها، بما يتوافق مع شرط التفرغ المنصوص عليه في القانون.
نحن لا نصدر أحكامًا مسبقة على أحد، ولا نقول إنّ ثمة مخالفة قبل الاطلاع على المستندات والقرارات والأسس القانونية. لكن، عندما يكون القانون واضحًا، وعندما تصدر قرارات رسمية تتضمن عبارات تستدعي التفسير، يصبح طرح السؤال حقًا مشروعًا، وتصبح الإجابة واجبًا على الجهات المعنية.
المطلوب، ببساطة: أين الإعلان الذي أعدّه مجلس الخدمة المدنية؟ أين الإعلان الأصلي المنشور على موقع المجلس؟ أين عدد الطلبات؟ أين لوائح الطلبات المقبولة وغير المقبولة وأسباب الرفض؟ أين نتائج اللجنة المؤلفة من رؤساء المؤسسات الأربع؟ أين العلامات؟ أين ترتيب المرشحين؟ أين نتائج المقابلات؟ هل كانت الأسماء التي اقترحها رئيس مجلس الوزراء فعلًا وفق ترتيب العلامات؟ ما دور وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية في عملية الإعلان؟ ما الأساس القانوني لأي إعادة فتح لباب الترشيح؟ وعلى أي أساس وُصفت عضوية هيئة الشراء العام بأنها «غير متفرغة»؟
إذا كانت هيئة الشراء العام مؤتمنة على حماية المال العام وتعزيز الشفافية، فلتبدأ الشفافية من طريقة تشكيلها. لأنّ السؤال اليوم ليس فقط: من عُيّن؟ بل الأهم: كيف عُيّن؟ وبأي ترتيب؟ وبأي شروط؟ وعلى أي أساس قانوني؟
هيئة الشراء العام تحمي المال العام… فمن يحمي قانونها من علامات الاستفهام؟

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
