كان (الأسبوع ما قبل الماضي) حافلاً بالنسبة إلى وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، الذي برز بوصفه وزير الحرب الثاني. (أما الأول، بيت هيغسيث، إن كنتم تتساءلون، فهو يشغل نفسه بالتهليل للحرب على إيران، واستنزاف مخزونات الذخيرة، وتنفير الحلفاء، وتقويض نزاهة الجيش، والاستغراق في هوس اختبارات هرمون التستوستيرون).
وقد تبيّن أن بيسنت يخوض حرباً على جبهتين: إحداهما ضد سوق السندات، والأخرى ضد إيران. لكن، لسوء حظه وحظنا، لا تسير أيٌّ منهما وفق الخطة المرسومة.
من الواضح أن بيسنت غير راضٍ عن الارتفاع النسبي في عوائد السندات الطويلة الأجل، الذي يزيد تكلفة الاقتراض لكل شيء تقريباً. لذلك، بادر إلى شراء السندات، وهي خطوة لم تحقق، كما كان متوقعاً، أي نتيجة تُذكر.
إن أي محاولة جدية لخفض عوائد السندات الطويلة الأجل تستلزم خفض التضخم، سواء من خلال رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة القصيرة الأجل، أو من خلال إنهاء الحرب على إيران، بما يؤدي إلى خفض تكاليف الطاقة. ويمكن اعتماد نهج مكمّل يقوم على إبطاء نمو ديننا البالغ 40 تريليون دولار، إما عن طريق زيادة الإيرادات، من خلال رفع معدلات الضرائب على الأرباح الرأسمالية أو على الشركات، فضلاً عن تأمين التمويل والموارد البشرية الكاملة لدائرة الإيرادات الداخلية؛ وإما من خلال خفض الإنفاق الحكومي؛ أو عبر القيام بكل ما سبق.
لكن، للأسف، لا تحظى السياسات الجدية برواج في الوقت الراهن، وهو ما يعني أن لدينا وزيراً للخزانة يتصرف، بصورة يمكن إثباتها، على نحو يفتقر إلى الجدية.
أما حرب بيسنت الثانية فهي ضد إيران، وإن كان جزء كبير منها يقوم على توجيه التهديدات إلى الجهات التي تتعامل تجارياً مع طهران، وهي دول تتراوح بين أصدقاء وشركاء تجاريين، مثل الهند والإمارات العربية المتحدة، وخصوم مثل الصين، التي أثبتت استعدادها وقدرتها على الرد على الحرب الاقتصادية الأميركية من خلال وقف تصدير المعادن الأرضية النادرة التي هي بأمسّ الحاجة إليها. وخلاصة القول إن العقوبات الثانوية والرسوم الجمركية التي يلوّح بها بيسنت لا يُرجّح أن تحقق تقدماً يُذكر، هذا إن حققت أي تقدم أصلاً.
ويتحدث بيسنت أيضاً عن زيادة الضغط الاقتصادي المباشر على إيران، وهي فكرة أفضل. في الواقع، يؤسفني فقط أنه وزملاءه احتاجوا إلى ستة أشهر للوصول إلى هذه النقطة؛ إذ كان وضعنا سيكون أفضل بما لا يُقاس لو قامت السياسة الأميركية، منذ البداية، على ممارسة الضغط الاقتصادي على إيران، بدلاً من مهاجمتها عسكرياً.
وكان ثمة احتمال كبير بأن يُقدم النظام القديم، في ظل اقتصاد يترنّح وقبضته على السلطة التي هي موضع شك، على إحداث تغييرات جوهرية في سلوكه. لم تكن الولايات المتحدة لتحقق تغيير النظام، لكنها كانت، على نحو شبه مؤكد، ستدفع إلى تغيير مهم في السياسات، وهو بالتأكيد أفضل مما انتهينا إليه الآن.
ومع ذلك، لا يزال من الممكن أن يؤدي تصاعد الضغط الاقتصادي على إيران إلى نتائج مرغوب فيها. فثمة تقارير تتحدث عن نقاش داخل المؤسسة الحاكمة الإيرانية بين المتشددين في الحرس الثوري، الذين يبدو أنهم يريدون خوض حرب مفتوحة الأمد مهما كلّف الأمر، والمدنيين الذين يميلون إلى التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، من أجل التركيز على إعادة التأهيل الاقتصادي التي تحتاج إليها إيران بصورة ماسّة.
أما الكيفية التي سينتهي إليها هذا النقاش، فلا يمكن لأحد أن يجزم بها؛ إذ إن القيادة الدينية، التي كانت تحسم في السابق المسار الذي ستسلكه إيران، باتت أضعف بكثير نتيجة عمليات القتل المستهدف التي نفذتها إسرائيل والولايات المتحدة.
ترجمة بتصرف
بقلم / ريتشارد هاس – الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
