في عام 2025، جذبت دراستان علميتان قدراً كبيراً من الاهتمام بعد أن أشارتا إلى احتمال وجود أجسام غامضة كانت تدور حول الأرض في خمسينيات القرن الماضي – أي قبل سنوات من إطلاق البشرية أول أقمارها الصناعية. والأكثر إثارة أن الباحثين اقترحوا أن هذه الأجسام ربما كانت تراقب التجارب النووية التي كانت تُجرى في ذلك الوقت.
جاءت الدراستان في إطار مشروع “VASCO”، وهو اختصار لعبارة “Vanishing and Appearing Sources during a Century of Observations” – أي “مصادر تختفي وتظهر خلال قرن من الرصد”، بقيادة عالمة الفلك بياتريز فيارّويل. ويقوم المشروع على فكرة علمية مشروعة ومثيرة للاهتمام، تتمثل في دراسة الصور التاريخية للسماء بحثاً عن بصمات تقنية (Technosignatures)، وهي أدلة محتملة على وجود تكنولوجيا قد تكون من صنع جهات غير بشرية.
حلّل الباحثون لوحات فوتوغرافية التُقطت في أوائل خمسينيات القرن الماضي ضمن مسح مرصد بالومار للسماء. وركّزوا على نقاط ضوئية ظهرت في صورة ولم تظهر في أخرى، انطلاقاً من فرضية أن بعضها ربما يكون ناتجاً عن انعكاس ضوء الشمس عن أجسام تدور حول الأرض.
أسفرت إحدى الدراستين عن نتيجة إحصائية استثنائية. فقد أفاد الباحثون بأن هذه الأجسام الظاهرة كانت أقل بكثير في أجزاء الصور الواقعة ضمن ظل الأرض، حيث لا يمكن لجسم يدور حول الأرض أن يستقبل ضوء الشمس المباشر. وأظهر الحساب الأولي نتيجة بلغت22 سيغما (22-sigma)، وهي قيمة هائلة تتجاوز بكثير عتبة 5 سيغما التي تُستخدم عادةً كمعيار قوي لإثبات الاكتشافات العلمية.
أما الدراسة الثانية، فقد أشارت إلى وجود ارتباط مثير آخر: إذ بدا أن تواريخ ظهور هذه الأجسام المزعومة تتزامن مع الفترات التي كانت تُجرى فيها التجارب النووية. وقد أثار ذلك احتمالاً بالغ الإثارة، وهو أن تكون جهة أو ذكاء مجهول مهتماً بمتابعة التطور النووي للبشرية.
لكن الادعاءات الاستثنائية تتطلب تدقيقاً استثنائياً، ولم يتأخر هذا التدقيق طويلاً.
فقد أخضعت دراسة لاحقة، قادها عالِم الفلك ويسلي واترز وشارك فيها باحثون من بينهم عالِم الفيزياء كيفن نَث، نتائج “VASCO” لتحليل مفصل. ومن المهم هنا أن هؤلاء العلماء لم يكونوا يرفضون دراسة ظواهر الأجسام الطائرة المجهولة من حيث المبدأ؛ بل إن بعضهم دعا بالفعل إلى التعامل مع الظواهر الجوية غير المفسرة (UAP) باعتبارها موضوعاً يستحق البحث العلمي الجاد. وكان اعتراضهم موجهاً أساساً إلى جودة البيانات الفوتوغرافية والمنهجيات الإحصائية المستخدمة في تحليلها.
اكتشف الباحثون عدداً من المشكلات الأساسية. فاللوحات الفوتوغرافية القديمة كانت تحتوي على مصادر عديدة محتملة للقراءات الخاطئة، من بينها الغبار والخدوش وعيوب المستحلب الفوتوغرافي وعيوب الزجاج، فضلاً عن آثار ناجمة عن عمليات النسخ والرقمنة. كما أن ما أطلق عليه الباحثون اسم “الأجسام العابرة” لم يكن موزعاً بصورة منتظمة على اللوحات، بل ظهرت تجمعات وخطوط ومناطق خالية بصورة لافتة. وأشار ذلك إلى احتمال كبير بأن تكون العديد من هذه السمات مجرد عيوب أو آثار ناتجة عن عملية التصوير، وليست أجساماً حقيقية في السماء.
كما ظهرت مشكلات جوهرية في الأساس الإحصائي للنتائج الأصلية. فمن بين645 لوحة خضعت للتحليل، كانت 11 لوحة فقط تقع ضمن ظل الأرض، ولم تكن سوى خمس منها واقعة بالكامل في الظل. إضافة إلى ذلك، احتوت إحدى اللوحات على نسبة كبيرة من السمات المرصودة، ما جعل النتائج تعتمد بصورة غير متناسبة على عينة صغيرة جداً.
وعندما أعاد فريق واترز إجراء تحليل الظل مع أخذ هذه المشكلات في الاعتبار، اختفت النتيجة الاستثنائية. إذ لم يعد هناك أي نقص ذي دلالة إحصائية في الأجسام داخل ظل الأرض، وبالتالي لم يعد هناك ما يدعم ادعاء النتيجة البالغة 22 سيغما.
وتعرّض الارتباط المزعوم بالتجارب النووية لمشكلة مماثلة. فقد استخدم التحليل الأصلي، على ما يبدو، فترة زمنية تبلغ2,718 يوماً في حساباته، في حين أن الفترة الفعلية التي غطتها عمليات الرصد المعنية بلغت نحو312 يوماً فقط. وعند تصحيح هذه الفترة الزمنية، اختفى الارتباط الإحصائي المهم المزعوم بين السمات الغامضة والتجارب النووية. وما بقي هو ارتباط بين مواعيد تشغيل التلسكوب ومواعيد إجراء التجارب النووية، وهو أمر يمكن تفسيره بأسباب عادية تماماً، مثل الظروف الجوية في المنطقة.
كما كشفت الدراسة النقدية عن مشكلة أعمق تتمثل في الاستدلال الدائري. فقد تعامل تحليل “VASCO” مع السمات الفوتوغرافية باعتبارها “أجساماً عابرة” حقيقية، ثم استخدم سلوكها الإحصائي كدليل على أنها بالفعل ظواهر حقيقية عابرة. لكن من دون إثبات مستقل بأن هذه السمات تمثل ظواهر فلكية حقيقية وليست عيوباً فوتوغرافية، لا يمكن للتحليل الإحصائي أن يثبت بصورة موثوقة أنها أجسام موجودة في الفضاء.
طبعاً، هذا لا يعني أن الدراسة أثبتت عدم وجود مركبات أو أجسام من خارج الأرض في سماء الخمسينيات. وإنما هي تثبت شيئاً أكثر محدودية، لكنه مهم مع ذلك: فهذه الصور الفوتوغرافية تحديداً لا تقدم دليلاً مقنعاً على وجود مركبات أو أجسام فضائية من خارج الأرض في ذلك الوقت.
في الواقع، تظل الفكرة الأساسية لمشروع “VASCO” ذات قيمة علمية. فالأرشيفات الفلكية التاريخية توفر فرصة مثيرة للبحث عن دلائل على نشاط تكنولوجي يعود إلى فترة كانت فيها الأجسام التي صنعتها البشرية أقل بكثير في السماء. لكن هذه التجربة توضح أيضاً سبب ضرورة إخضاع الادعاءات الاستثنائية لتدقيق صارم في المنهجية والإحصاء.
وفي نهاية المطاف، لا تتعلق هذه القصة بإثبات خطأ ظاهرة الأجسام الطائرة المجهولة بقدر تعلقها بإظهار كيفية عمل العِلم كما ينبغي: تُطرح فرضية مثيرة للجدل، ثم يقوم باحثون آخرون بفحص الأدلة وتحدي الافتراضات واختبار الحسابات، وبعد ذلك تُتاح للباحثين الأصليين فرصة الرد. فإذا صمدت الأدلة أمام الاختبار، ازدادت الثقة في النتيجة. وإذا لم تصمد، وجب تعديل الادعاء أو التخلي عنه.
هكذا، لكي تصبح أبحاث الظواهر الجوية غير المفسرة مجالاً علمياً ناضجاً، فإن عليها أن تعمل وفق هذه القواعد تحديداً. أما السؤال حول ما إذا كنا وحدنا في الكون، فيظل واحداً من أعمق الأسئلة العلمية التي تواجه البشرية. لكن الإجابة عنه تتطلب ما هو أكثر من صور مثيرة للاهتمام أو نتائج إحصائية استثنائية؛ إنها، في الواقع، تحتاج لأدلة تظل مقنعة حتى بعد أن يبذل العلماء أقصى جهد ممكن لإثبات خطئها.
ترجمة بتصرف
المصدر: Big Think

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
