كتاب مفتوح إلى معالي وزير الثقافة الأستاذ غسان سلامة

من وادي قاديشا المقدّس

معالي الوزير،

صخور قاديشا تسأل عنك.

النهر يسأل عنك، وشجر السنديان، وصمت النسّاك، وكل حجر في هذا الوادي الذي وُضع أمانةً في عنق الدولة اللبنانية، وأصبح جزءًا من ذاكرة العالم وتراثه.

أنت تعرف قاديشا جيدًا، وتعرف حجم الخطر الذي يتهددها.

في العام الماضي، كنتَ أنت من وقف في وجه قرار تخريبي كاد أن يفتح الوادي أمام شبكة من الطرق العشوائية، متجاهلًا حساسية الموقع التراثية والبيئية ومكانته الاستثنائية على خريطة التراث العالمي.

ولعلّك تذكر يوم التقينا بك، فقلت لنا بوضوح: «دعوا حرّاسكم يرتاحون؛ سيكون قرار إبطال مفاعيل القرار السابق أول ورقة أوقّعها حين أنهي عملي في المساعدة على كتابة خطاب القسم».

وثقنا، يومها، بأن الدولة استعادت حضورها، وأن قاديشا وجدت في وزارة الثقافة من يتقدم الصفوف لحمايتها. لكن، في الوقت الضائع، جرت محاولة للالتفاف على القرار، وأُصدرت مذكرة في مرحلة كانت فيها الحكومة في وضع تصريف الأعمال.

ومع ذلك، أُغلقت البوابة الشرقية.

واليوم، معالي الوزير، عادوا من البوابة الغربية. هذه المرة، من جهة الديمان، وبأشكال مختلفة، ومن خلال مشاريع تتكاثر على كتف الوادي وتحت أنظار مؤسسات الدولة.

جرافات وحفريات تجري تحت عنوان إنشاء «بحيرة»، لا نعرف، حتى الآن، ما جدواها، وما الدراسة التي تستند إليها، وما التراخيص التي أُعطيت لها، وما إذا كانت قد خضعت للأصول البيئية والتراثية المفروضة في موقع بهذه الحساسية.

و«حمى» تُعلَن تحت عنوان حماية الطيور المهاجرة، فيما تُطرح أسئلة جدية بشأن الأساس العلمي والقانوني لهذا الإعلان، وبشأن الجهة التي ستحمي الحمى حين تصبح المشاريع الإنشائية هي الخطر الحقيقي عليها.

ومشاريع إسمنتية تتقدم نزولًا نحو الوادي، في تمدد عمراني لا يجوز التعامل معه باعتباره شأنًا عقاريًا عاديًا داخل موقع استثنائي، يُفترض أن تكون الحماية فيه هي الأصل، وأن يكون أي تدخل استثناءً يخضع لأشد المعايير صرامة.

معالي الوزير، أين وزارة الثقافة؟ أين المديرية العامة للآثار؟ وأين موقف الجهة الرسمية المؤتمنة على هذا التراث، عندما تبدأ الجرافات بالعمل، ويعلو صوت الحفريات، وتتقدم المشاريع خطوة بعد خطوة؟

لا نريد بيانات تصدر بعد وقوع الضرر. ولا نريد أن تتحول وزارة الثقافة إلى جهة توثّق ما تبقى من قاديشا بعد انتهاء الورش. نريدها أن تؤدي دورها قبل وقوع الضرر.

لقد أُدرج وادي قاديشا على قائمة التراث العالمي، لأنه ليس مجرد مساحة جغرافية يمكن أن تتنازعها المشاريع والتراخيص والمصالح المحلية.

إنه موقع ذو قيمة تراثية استثنائية، وأي عبث بتوازنه الطبيعي أو العمراني أو البصري ليس شأنًا محليًا عابرًا، بل مسألة تمسّ جوهر الحماية التي يُفترض أن تؤمّنها الدولة اللبنانية لهذا الموقع.

لذلك، نضع أمامكم، معالي الوزير، مسؤولية واضحة لا تحتمل التأجيل: التدخل الفوري لوقف أي أعمال يُشك في قانونيتها أو في آثارها على الموقع، وإجراء مسح شامل لكل المشاريع والأعمال القائمة والمقررة ضمن نطاق قاديشا ومحيطها، والتدقيق في تراخيصها ودراساتها وآثارها التراثية والبيئية، وإعلان موقف رسمي واضح من وزارة الثقافة، بدلًا من ترك الوادي رهينة تضارب الصلاحيات وتبادل المسؤوليات.

لقد وقفتَ معنا بالأمس، عندما كانت قاديشا مهددة من الشرق. واليوم، هي مهددة من الغرب.

والسؤال لم يعد: ماذا سنفعل إذا وقع الضرر؟

السؤال هو: ماذا ستفعل وزارة الثقافة الآن، وهي ترى الخطر يقترب؟

معالي الوزير،

هذه ليست معركة حفنة من الناشطين مع مشروع هنا أو مخالفة هناك. إنها معركة حول ما إذا كانت الدولة اللبنانية لا تزال قادرة على حماية موقع أدرجته بنفسها على قائمة التراث العالمي، أم أن قرارات الحماية ستبقى حبرًا على ورق، فيما تتحول الجبال إلى ورش، والوادي إلى مساحة مفتوحة لكل من يريد أن يجرّب حظه في الاستثمار.

نحن لا نطلب منكم معروفًا. نطالبكم بالقيام بواجبكم.

وقاديشا لا تحتاج، اليوم، إلى من يرثيها إذا شُوّهت. إنها تحتاج إلى من يحميها ما دامت قابلة للحماية.

لقد أغلقنا معًا بوابةً بالأمس. فهل ستتدخل اليوم لإغلاق البوابة الأخرى؟

الوقت ليس في مصلحة قاديشا. والتاريخ لا ينتظر.

مقالات الكاتب

سمير غصن

أستاذ فلسفة وناشط بيئي.