السؤال اليوم ليس عن شخص، بل عن معيار الدولة في اختيار مَن يمثّلها في مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، المؤسسة التي تدير حقوق المضمونين وأموالهم.
عندما تضع الدولة شروطًا محددة لاختيار الخبراء، ثم تعيّن شخصًا عضوًا أصيلًا ممثلًا عنها، فمن حق اللبنانيين أن يعرفوا: على أي أساس جرى اختياره؟ وكيف احتُسبت خبرته؟ ومَن دقّق في ملفه؟
بحسب المعلومات المنشورة، عُرف باسم غانم بصفته مسؤول وحدة التحصيل في مستشفى رفيق الحريري الحكومي الجامعي، في الفئة الثالثة والرتبة الخامسة، ثم ظهر لاحقًا بصفة مستشار في وزارة الصحة، وصولًا إلى تولّيه مهام أخرى في الوزارة.
وهنا تبدأ الأسئلة. هل «مسؤول وحدة التحصيل» موقع قيادي؟
لا تتحدث الشروط المطلوبة للخبراء عن مجرد سنوات خدمة، بل تشترط، في مجال الحوكمة والتخطيط الاستراتيجي، سبع سنوات على الأقل من الخبرة بعد نيل الإجازة الجامعية، من بينها خمس سنوات على الأقل في موقع قيادي.
كذلك، تربط الشروط الخبرة المطلوبة بالحوكمة والتخطيط الاستراتيجي، وتشمل، من بين الحالات المحددة: إدارة إحدى إدارات أو مؤسسات القطاع العام أو الخاص، أو تولّي مسؤولية تنفيذية، أو إدارة وحدة تخطيط، أو تحمّل مسؤولية صياغة الخطط الاستراتيجية لمؤسسة ذات قاعدة زبائنية واسعة ومراجعتها.
لذلك، فإن السؤال المحدد هو: هل اعتُبرت وظيفة «مسؤول وحدة التحصيل، في الفئة الثالثة والرتبة الخامسة» رسميًا موقعًا قياديًا؟
نحن لا نقول إنها ليست كذلك، ولا نقول إنها كذلك تلقائيًا. المطلوب فقط هو إبراز التصنيف الرسمي والوصف الوظيفي وصلاحيات هذا الموقع، والمستند الذي يثبت احتساب هذه السنوات ضمن السنوات الخمس المطلوبة في موقع قيادي.
وإذا لم تكن كذلك، فما الوظائف أو المهام الأخرى التي جرى الاستناد إليها لاستكمال هذا الشرط؟ وماذا عن العمل في وزارة الصحة؟
بحسب ما هو منشور، انتقل غانم إلى وزارة الصحة بصفة مستشار، وظهر، في مراحل مختلفة، إلى جانب وزراء في نشاطات رسمية. وهنا لا تكمن المسألة في لقب «مستشار»، بل في طبيعة المهمة وسندها القانوني ومدتها.
هل كان هناك إلحاق؟ أم انتداب؟ أم إعارة؟ أم تكليف؟ وهل صدر قرار عن المرجع المختص؟ ومَن كان يحدّد دوامه؟ ومَن كان يدفع راتبه؟ وهل بقي يتقاضى راتبه من مستشفى رفيق الحريري الحكومي الجامعي خلال الفترة التي كان يؤدي فيها عملًا في الوزارة؟
إذا كان كل ذلك قانونيًا، فالأمر بسيط: فليُبرَز القرار أو السند القانوني الذي ينظّم هذه الوضعية.
وبحسب المعلومات التي نضعها أمام الجهات المختصة، أُسندت إليه لاحقًا مهمة مساعدة المدير العام لوزارة الصحة. وهنا يعود السؤال نفسه: بأي سند قانوني انتقل موظف في مؤسسة عامة إلى تولّي هذه المهمة داخل الوزارة؟ وإذا كانت هذه الفترة قد احتُسبت ضمن خبرته عند ترشيحه خبيرًا في مجلس إدارة الضمان، فما طبيعة الخبرة التي اكتسبها خلالها؟ وهل تتطابق فعلًا مع المجال المطلوب؟
فالخبرة ليست مجرد عدد من السنوات، واللقب الوظيفي وحده لا يكفي؛ إذ إن المطلوب هو إثبات نوع الخبرة، وطبيعة موقعها القيادي، ومدى ارتباطها بالشروط المحددة. مَن دقّق في ملفه؟ هنا نصل إلى النقطة الأهم.
قبل الاختيار النهائي، كان لمجلس الخدمة المدنية دور في دراسة ملفات المرشحين وإعداد جدول بأسماء الذين اعتُبروا مستوفين للشروط، ثم إحالة الأسماء إلى وزارة العمل. لذلك، من حق الرأي العام أن يسأل: هل كان اسم باسم غانم مدرجًا ضمن قائمة أصحاب الملفات المستوفية للشروط؟ ما المؤهلات والخبرات التي اعتُمدت لإدراج اسمه؟ ما المستندات التي تثبت امتلاكه سبع سنوات من الخبرة، من بينها خمس سنوات في موقع قيادي؟ مَن دقّق في هذه المستندات؟ وهل يوجد محضر أو قرار أو عملية مفاضلة توضّح الأساس الذي جرى الاختيار بناءً عليه؟
هذه ليست أسئلة شخصية، بل أسئلة تتعلق بالشفافية في التعيينات العامة.
وماذا عن الشكاوى الرقابية؟ إذا كانت هناك بالفعل شكاوى سابقة مرتبطة بعمله في وزارة الصحة، كما ورد في مصادر إعلامية، فإن السؤال الطبيعي هو: ما مصير هذه الشكاوى؟ هل حُفظت؟ وهل جرى التحقيق فيها؟ وهل صدر قرار بشأنها؟
ذلك أن هناك فرقًا بين شكوى ثبت عدم صحتها بموجب قرار رسمي، وأخرى بقيت من دون حسم.
المطلوب ليس استهداف أحد. نحن لا نطلب محاكمة أحد عبر الإعلام، ولا نقول إن العمل في وزارة الصحة يشكّل، في حد ذاته، مخالفة، ولا نعتبر الانتماء السياسي دليلًا على ارتكاب مخالفة. نحن نطلب شيئًا واحدًا: التدقيق وإظهار المستندات.
فليُجب مجلس الخدمة المدنية: على أي أساس اعتُبر الملف مستوفيًا للشروط؟
ولتُجب وزارة العمل: ما المعايير التي اعتُمدت عند الاختيار؟
ولتوضّح الجهات الرقابية: ما السند القانوني لفترات العمل خارج المؤسسة الأصلية، وما مصير الشكاوى، إن وُجدت؟
ولتوضّح الدولة: ما السنوات السبع التي احتُسبت؟ وأين السنوات الخمس التي قضاها في مواقع قيادية؟
إذا كانت الكفاءة هي المعيار… إذا كان باسم غانم مستوفيًا جميع الشروط، فأهلًا بالكفاءة. وإذا كانت خبرته القيادية مستوفية للشروط، فليُثبت ذلك ملفه الرسمي. وإذا كان عمله في وزارة الصحة قانونيًا، فليُبرَز السند القانوني. وإذا كانت الشكاوى السابقة قد حُسمت، فليُعلَن القرار.
المطلوب ليس أكثر من تطبيق معيار واحد على الجميع. فالخبرة ليست لقبًا يُكتب على بطاقة، والموقع العام ليس امتيازًا شخصيًا.
الدولة مؤسسات، والوظيفة العامة يجب أن تكون قابلة للتدقيق، والاختيار يجب أن يكون قابلًا للتفسير أمام الرأي العام.
ويبقى السؤال معلّقًا: من أين جاءت، تحديدًا، سنوات الخبرة القيادية التي أهّلت باسم غانم ليصبح «خبيرًا أصيلًا» ممثلًا للدولة في مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي؟

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
