من عبور القناة إلى صناعة القوة: ماذا بقي من حرب عام 1973 في مصر اليوم؟

يعود السادس من تشرين الأول من كل عام إلى الذاكرة المصرية والعربية بوصفه واحداً من أكثر الأيام تأثيراً في التاريخ العسكري الحديث للمنطقة. غير أن أهمية هذه المناسبة لا تكمن في استعادة مشاهد العبور ورفع العلم المصري على الضفة الشرقية لقناة السويس فحسب، بل في محاولة فهم ما غيّرته تلك الحرب في العقيدة العسكرية المصرية، وفي مفهوم الأمن القومي، وفي موقع مصر داخل النظام الإقليمي، وصولاً إلى ما أصبحت عليه الدولة المصرية اليوم.

فحرب تشرين لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين جيشين، ولم تكن معركة منفصلة عن سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد، بل جاءت بعد ست سنوات من نكسة عام 1967، التي فقدت مصر خلالها سيناء، فيما ترسخت صورة التفوق العسكري الإسرائيلي، ولا سيما في مجالات الطيران والاستخبارات والتحصينات. وبين عامي 1967 و1973، عملت مصر على إعادة بناء قواتها المسلحة، وخوض حرب الاستنزاف، وتطوير خطط عملياتية تتلاءم مع طبيعة التفوق الإسرائيلي، وصولاً إلى تحديد هدف عسكري قابل للتحقيق، بدلاً من الانخراط في حرب مفتوحة بلا سقف سياسي أو عسكري.

لكن القيمة العسكرية الحقيقية لم تكمن في عبور قناة السويس بوصفه إنجازاً هندسياً وعسكرياً فحسب، وإنما في تحطيم عدد من الافتراضات التي كانت تحكم التفكير العسكري في المنطقة. فقد أثبتت الحرب أن التحصينات، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع وحدها منع العبور، وأن التفوق الجوي والتقني لا يلغي أهمية التخطيط والخداع والاستخبارات والانضباط العملياتي وتكامل الأسلحة. كما أثبتت أن الجغرافيا، التي قد تبدو في لحظة ما عائقاً مطلقاً، يمكن أن تتحول، بفعل التخطيط والهندسة العسكرية، إلى عنصر قابل للتجاوز.

وهنا تتجلى إحدى أهم الدلالات الاستراتيجية لمعركة العبور: الجيش القوي ليس الجيش الذي يمتلك أكبر قدر من السلاح، بل الجيش الذي يعرف كيف يوظف سلاحه في المكان والزمان المناسبين، ولتحقيق الهدف الصحيح. فقد اعتمدت العملية المصرية على تكامل أسلحة المشاة والمدرعات والهندسة والمدفعية والدفاع الجوي، إلى جانب القوات البحرية والجوية، وعلى بناء منظومة عملياتية تتناسب مع طبيعة المعركة، بدلاً من محاولة مجاراة إسرائيل في المجالات التي كانت تتمتع فيها بتفوق واضح.

وهنا تحديداً تكمن إحدى أهم الحقائق الاستراتيجية في حرب عام 1973؛ إذ لم يكن الهدف منها خوض الحرب لذاتها، وإنما تحقيق أهداف عسكرية وسياسية واستراتيجية تتجاوز المواجهة الميدانية، بهدف فرض واقع سياسي جديد. فقد أدركت القيادة المصرية أن استعادة الأرض لن تتحقق بالعمل العسكري وحده، وأن القوة، عندما تحقق هدفها العملياتي، تتحول إلى أداة للتفاوض، ولا تبقى غاية دائمة. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الانتقال من الحرب إلى السلام باعتباره امتداداً للاستراتيجية المصرية، لا خطاً موازياً لها.

لقد أسهمت هذه الحرب في إعادة بناء مفهوم الأمن القومي المصري، الذي لا يُختصر في حجم القوات المسلحة أو نوعية الأسلحة. فمصر التي خرجت من حرب عام 1973 ليست مصر التي تستقبل الذكرى الثالثة والخمسين للعبور عام 2026. فمنذ ذلك التاريخ، لم يعد الأمن المصري مرتبطاً فقط بقدرة الجيش على خوض حرب تقليدية، وإنما أصبح مرتبطاً بدائرة جغرافية أوسع، وبالقدرة على منع تكرار تجربة احتلال الأراضي، وحماية الحدود، وتأمين الممرات الاستراتيجية، والحفاظ على قدرات الردع والمناورة.

ولعل قناة السويس تمثل أوضح مثال على هذا التحول. فقد كانت القناة، في حرب عام 1973، مانعاً مائياً وجبهة عسكرية، أما اليوم فهي ممر استراتيجي عالمي يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر، ويضع مصر في قلب حركة التجارة الدولية، بما يمنحها أهمية عالمية متزايدة. وحتى في ظل الأزمات المرتبطة بمضيق هرمز وباب المندب، التي أثرت بصورة كبيرة في حركة الملاحة، ظلت القناة جزءاً أساسياً من الحسابات الاقتصادية والأمنية العالمية.

لقد كان عبور قناة السويس عبوراً عسكرياً غيّر ميزان الصراع، لكن مصر واصلت بعد ذلك عبور مراحل أخرى، أهمها:

  • الانتقال من الحرب إلى التفاوض.
  • الانتقال من استعادة الأرض إلى تثبيت السلام.
  • الانتقال من حماية سيناء إلى حماية الحدود والممرات البحرية والمصالح الاقتصادية.
  • الانتقال من التعامل مع جبهة واحدة إلى إدارة فضاء استراتيجي يمتد من غزة إلى ليبيا والسودان والبحر الأحمر وشرق المتوسط.

ولهذا، ربما تكمن أعظم قيمة لحرب العبور في أنها لم تترك لمصر ذكرى عسكرية فحسب، بل أرست عقيدة متكاملة في إدارة القوة. وبعد ثلاثة وخمسين عاماً، يبقى السادس من تشرين الأول أكثر من مجرد يوم في التقويم المصري؛ إنه اليوم الذي انتقلت فيه مصر من محاولة كسر جدار الهزيمة إلى بناء منظومة جديدة للقوة والأمن والدور الإقليمي.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.