البيتزا اللبنانية… مدوّرة ومربّعة ومثلّثة، مثل السياسة تماماً

يبدو أن اللبناني اخترع، من دون أن يقصد، أفضل تشبيه لنظامه السياسي عندما اكتشف البيتزا: عجينة مدوّرة توضع في علبة مربعة، ثم تُقطّع إلى مثلّثات، ويجلس الجميع حولها مختلفين على الحصص، بينما يطالب عامل توصيل البيتزا بسداد الفاتورة بالدولار «الفريش».

فإذا أردت أن تفهم السياسة اللبنانية، فلا تتعب نفسك بقراءة مئات الصفحات عن الدستور واتفاق الطائف والتحالفات المحلية والإقليمية والعابرة للقارات… يكفي أن تنظر إلى البيتزا، إذ ستجد فيها كل شيء: أشكالاً هندسية مختلفة، وتقسيماً جغرافياً ومذهبياً، وكل طرف مقتنع تماماً بأن القطعة التي وصلت إليه أصغر من حقه، وبأن المكونات المغطاة بالجبنة الدسمة ستُقسّم على الطوائف الكبيرة.

والأجمل أن البيتزا، مهما اختلف الناس على مكوناتها، تصل في النهاية إلى الطاولة، ويُحل الخلاف بعبارة «صحتين». أما في لبنان، فقد تبدأ مفاوضات تشكيل الحكومة قبل أن تتخمر العجينة، وقد تنتهي الوجبة وتبرد وتتعفن، فيما لا يزال السياسيون يختلفون على مَن يحق له تقطيع «الحصص».

ولطالما عاش اللبنانيون تجارب تجعل أكبر كتّاب السياسة عاجزين عن منافسة الواقع. ففي أزمة النفايات عام 2015، مثلاً، تراكمت الأكياس في الشوارع، وخرجت احتجاجات «طلعت ريحتكم». يومها، بدا أن الدولة دخلت في مفاوضات شاقة وحوار وطني مع أكياس النفايات، ولم يكن واضحاً مَن يملك قدرة أكبر على الصمود: الحكومة أم جبال النفايات التي كادت تطالب بحصة من البيتزا.

ثم جاءت أزمة الكهرباء، فتحولت حياة المواطن إلى معادلة فيزيائية متداخلة مع معادلة رياضية، لمعرفة موعد وصول كهرباء الدولة وتوقيت انقطاعها. فهي قد تأتي كضيف ثقيل يزورك لدقائق ثم يرحل، فيما ينقطع اشتراك المولد البديل عندما تقرر تشغيل المروحة، وتبقى الشمعة في انتظار الجميع في نهاية المطاف. وأصبح اللبناني يحتاج إلى وجود «مهندس طاقة» في المنزل ليقرر ما إذا كان تشغيل الغسالة سيتسبب بأسوأ كارثة دبلوماسية مع صاحب المولد.

وفي عام 2019، انفجر الشارع بعد اقتراح فرض رسم على تطبيق «واتساب». يومها، اكتشف السياسيون حقيقة علمية عجز أينشتاين عن كشفها، وهي أن اللبناني قد يصبر على العتمة والانهيار الكبير، لكنه مستعد لإسقاط هيبة الدولة إذا مسّ أحدهم بـ«الواتس»، وهي كلمة الدلع المعتمدة في هذه الأيام.

ومنذ ذلك الحين، أصبح اللبناني خبيراً استراتيجياً في التحليل الاقتصادي والسياسي والجيوسياسي والكهربائي. فإن ارتفع سعر الدولار، فهي مؤامرة خارجية، وإن انخفض، فهي خديعة، وإن استقر، فهو الهدوء الذي يسبق العاصفة. أما السياسي، فيملك سلاحه السري الدائم: «المرحلة دقيقة يا إخوان، وتتطلب ضبط النفس»، وهي عبارة سحرية تناسب كل شيء… من اعتذار رئيس مكلّف، إلى تعطل إشارة المرور، وصولاً إلى احتراق الطبخة في المطبخ. وفي النهاية، يبقى «الحق على الطليان».

وعليه، علينا الاعتراف بأن لبنان يشبه البيتزا تماماً: مدوّر ومربّع ومثلّث… والجميع يطالب بحصته. لكن المشكلة الحقيقية أن لا أحد يعرف مَن طلب البيتزا أصلاً، ومَن سيسدد الفاتورة. والفرق الوحيد هو أن البيتزا تُؤكل وتنتهي بعبارة «صحتين»، أما الطبخة السياسية اللبنانية فتبقى على الطاولة، تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل، حتى غدت إرثاً تتوارثه، فيما لا يزال الجميع ينتظرون «الدليفري».

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.