أوروبا وروسيا… بين هاجس «المجال الحيوي» وحدود القوة

خلال العام الأخير، اتسعت بصورة لافتة النقاشات حول احتمال انتقال المواجهة بين أوروبا وروسيا إلى مستوى أكثر خطورة، وصولًا إلى الحديث عن حرب مباشرة قد تبادر إليها أوروبا.

ولا يمكن فصل هذا النقاش عن التحولات التي شهدتها القارة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية حلف وارسو، ولا عن توسع حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي شرقًا، ثم الحرب في أوكرانيا، وأزمة الطاقة، والتوسع الراهن في الإنفاق العسكري الأوروبي إلى حدود مثيرة للقلق.

لكن المسألة تطرح مفارقة تستحق التأمل. فمن جهة، ثمة من يقرأ توجه أوروبا شرقًا باعتباره استمرار لمنطق تاريخي قديم يقوم على توسيع مجال النفوذ والبحث عن الموارد والأسواق والأمن، فيستعيد في هذا السياق مفهوم «المجال الحيوي» الذي ارتبط باسم الجغرافي الألماني فريدريش راتزل. ومن جهة أخرى، وعلى النقيض يطرح سؤال مختلف تمامًا: هل ما زالت أوروبا تمتلك أصلًا من عناصر القوة الاقتصادية والتكنولوجية والجيوسياسية ما يسمح لها بخوض مواجهة كبرى مع روسيا؟

بين هذين السؤالين تتشكل صورة أكثر تعقيدًا، حيث نجد أن أوروبا تتحرك نحو مزيد من التسلح والمواجهة في الوقت الذي يتراجع فيه وزنها النسبي في النظام العالمي.

من راتزل إلى فكرة «المجال الحيوي»

يُنسب إلى الجغرافي والمفكر الألماني فريدريش راتزل تأسيس مفهوم «المجال الحيوي»، ضمن تصوره للدولة وعلاقتها بالمكان، وتُنقل عنه الفكرة القائلة إن الدولة، مثل الكائن الحي، فهي تولد وتنمو وتكافح من أجل البقاء وتسعى إلى التوسع الإقليمي باعتبار ذلك قانونًا من قوانين الحياة.

وإذا تحدثنا عن أوروبا المعاصرة ، نجد أنها رفضت رسميًا الميراث الذي ارتبط لاحقًا بمفهوم «المجال الحيوي»، كما رفضت النظريات العرقية والتصورات القومية المتطرفة التي استخدمت في القرن العشرين، واختارت بعد الحرب العالمية الثانية نموذجًا يقوم على التكامل الأوروبي، ثم التعددية الثقافية والهجرة والتسامح.

غير أن انهيار حلف وارسو ثم الاتحاد السوفياتي فتحا فضاء جيوسياسيًا واسعًا في شرق أوروبا، سرعان ما بدأ حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي بالتمدد داخله باتجاه الحدود الروسية.

ومن هنا يمكن طرح السؤال: هل انتهى منطق «المجال الحيوي» فعلًا، أم أن المفهوم القديم تغيرت أدواته وأسماؤه، وانتقل من الاحتلال المباشر وضم الأراضي إلى توسيع الأحلاف والأسواق ومناطق النفوذ والارتباطات الاقتصادية والأمنية؟

أوروبا تتحرك شرقًا

يمكن النظر إلى حركة أوروبا شرقًا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي باعتبارها مسارًا طبيعيًا من وجهة النظر الأوروبية، سواء في المجال العسكري من خلال حلف شمال الأطلسي، أو في المجالين الاقتصادي والسياسي من خلال الاتحاد الأوروبي. فقد سعت دول أوروبا الشرقية نفسها إلى الانضمام إلى هذين التكتلين لما يوفرانه من مكانة سياسية وأمنية ومزايا اقتصادية، ولا سيما في مرحلة غاب فيها قطب منافس قادر على تقديم نموذج بديل يتمتع بالجاذبية نفسها.

وهذه حقيقة ينبغي وضعها إلى جانب القراءة الجيوسياسية الأخرى؛ فالتوسع لم يكن مجرد حركة من الغرب نحو الشرق، بل تزامن مع رغبة دول شرق أوروبا نفسها في الانتقال إلى المؤسسات الغربية. غير أن النتيجة الجيوسياسية بقيت واحدة. فالمجال الذي كان يفصل روسيا عن أوروبا الغربية تقلّص بصورة متواصلة، فيما اقتربت البنية السياسية والعسكرية الغربية من الحدود الروسية.

ويمكن قراءة هذه التحولات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي من منظور علم الاجتماع التاريخي، باعتبارها انتقالًا طبيعيًا في موازين القوى.. فلدينا قوة كبرى كانت تنكمش وتفقد مجال نفوذها، في مقابل منظومة أوروبية وغربية كانت تتوسع لملء الفراغ الناتج من ذلك الانكماش.

أما في أوكرانيا، فقد بلغت هذه الحركة نقطة شديدة الحساسية، وأصبحت البلاد مركزًا للصراع بين تصورين متعارضين للأمن والنفوذ ومستقبل شرق أوروبا.

ونستنتج من القراءة الروسية التي تقدمها الدولة الروسية للسياسات الأوروبية في أوكرانيا ، باعتبارها توسعًا مباشرًا، بل تعتبرها أكثر بأنها نوع من التدخل المغلف بحجة دعم حركة وطنية أو ثورة سياسية، لكنها في حقيقة الأمر تقدم دعمها لأوكرانيا معتبرة إياها مساندة لدولة ذات سيادة في اختيار توجهاتها ومواجهة الحرب الروسية عليها.

عودة الهويات الوطنية داخل أوروبا

في الوقت نفسه، تشهد أوروبا من داخلها صعودًا متزايدًا لقوى اليمين والقوى القومية والمحافظة، بما يعكس وجود شريحة واسعة من الأوروبيين غير الراضين عن جوانب من النموذج السياسي والاجتماعي الذي اتبعه الاتحاد الأوروبي خلال العقود الماضية.

فتيّار «البديل من أجل ألمانيا»، و«التجمع الوطني» في فرنسا، وحزب «إخوة إيطاليا» الذي تتزعمه رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، إلى جانب حركات يمينية وقومية في عدد من دول أوروبا الشرقية، لم تعد ظواهر هامشية، بل أصبحت قوى سياسية تمثل ملايين الناخبين. ويصوت جزء من هؤلاء احتجاجًا على الهجرة وسياسات الاتحاد الأوروبي وتراجع السيادة الوطنية، وعلى ما يعتبرونه تمييعًا للهويات الوطنية أو تقديم مشاريع فوق وطنية على المصالح الداخلية.

وهكذا فإن اجتماع النزعة نحو توسيع النفوذ الخارجي مع عودة خطاب الهوية والقومية في الداخل، يفتح الباب أمام مقارنات تاريخية مؤلمة، وإن كان اختلاف الظروف السياسية والمؤسساتية بين أوروبا الحالية وأوروبا النصف الأول من القرن العشرين يمنع تحويل تلك المقارنات إلى تطابق تاريخي بسيط.

الطاقة… الوجه الآخر للصراع

تحتل الطاقة موقعًا مركزيًا في هذه المعادلة. فالنفط والغاز جعلا روسيا لاعبًا استراتيجيًا كبيرًا في الاقتصاد العالمي، وأصبح امتلاك موارد الطاقة والقدرة على التحكم بمساراتها وأسواقها عنصرًا من عناصر القوة الجيوسياسية.

وقد تعرضت العلاقات التجارية بين روسيا وأوروبا لانقطاع واسع، فيما أخذ الطرفان يتحركان في اتجاهات مختلفة. تستطيع روسيا البحث عن أسواق أخرى لنفطها وغازها، بينما أصبحت خيارات أوروبا للحصول على موارد الطاقة الرخيصة التي استفادت منها صناعاتها لعقود أكثر تعقيدًا وكلفة.

وهنا لا تعود الطاقة مجرد سلعة تجارية، بل تدخل مباشرة في حسابات القوة والصناعة والأمن. فالدولة التي تريد إعادة بناء قدرتها العسكرية تحتاج إلى قاعدة صناعية واسعة، وهذه القاعدة تحتاج بدورها إلى طاقة مستقرة وبأسعار قادرة على المحافظة على القدرة التنافسية. ومن ثم فإن العلاقة بين أوروبا وروسيا تحمل تناقضًا عميقًا. إذ إن الجغرافيا والاقتصاد جعلا الطرفين شريكين طبيعيين في مجالات عديدة، بينما دفعت الجغرافيا السياسية والأمن إلى تفكيك جانب كبير من هذه الشراكة.

أوروبا تعيد التسلح

في المقابل، تتحرك أوروبا بسرعة لتعزيز صناعاتها الدفاعية، ويجري تكييف جزء من القدرات الصناعية المدنية لتلبية احتياجات عسكرية متزايدة، بالتزامن مع ارتفاع كبير في الإنفاق الدفاعي.

ويعتمد جانب مهم من هذه الزيادة على التمويل بالاستدانة. ففي إطار ميثاق الاستقرار والنمو، فعّلت سبعة عشر دولة في الاتحاد الأوروبي ما يعرف “بالبند الدفاعي” الذي يسمح بالخروج مؤقتًا عن بعض القيود المالية وزيادة الإنفاق الدفاعي بما يصل إلى 1.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة 2025–2028.

وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، أُنشئت أداة ساف SAFE التي توفر للدول قروضًا تصل قيمتها الإجمالية إلى 150 مليار يورو ممولة من خلال إصدار التزامات دين مشتركة. وتخطط ألمانيا، أكبر اقتصادات الاتحاد، لاقتراض أكثر من 800 مليار يورو حتى عام 2030 لتمويل احتياجات تشمل الإنفاق الدفاعي، فيما يُتوقع ارتفاع أعباء خدمة الدين الألماني بصورة كبيرة، من 42 مليار يورو عام 2027 إلى 81 مليارًا بحلول عام 2030. وفي فرنسا، أصبحت خدمة الدين العام بدورها عبئًا ماليًا بالغ الضخامة، يقارن بحجم الإنفاق العسكري ويتجاوزه وفق الأرقام التي يستند إليها هذا الطرح.

وهنا تظهر المفارقة. فأوروبا تزيد استعدادها العسكري في الوقت نفسه الذي تواجه فيه ضغوطًا مالية واقتصادية متنامية.

هل يعيد التاريخ إنتاج منطق «المجالات المتنامية»؟

هذا كله يعيدنا إلى راتزل وإلى ما ارتبط بفكره حول نمو المجالات السياسية. فالقوى الصاعدة تميل تاريخيًا إلى توسيع دوائر نفوذها، والحدود السياسية ومناطق السيطرة لا تبقى ثابتة عندما تتغير موازين القوى.

ومن هذا المنظور، يمكن تفسير جانب من الصراع الأوروبي ـ الروسي باعتباره صراعًا على المجال والنفوذ والأمن، حتى وإن اختلفت أدوات القرن الحادي والعشرين جذريًا عن أدوات القرنين التاسع عشر والعشرين.
فالتوسع اليوم لا يعني بالضرورة احتلال الأراضي؛ إذ يمكن أن يتخذ صورة توسيع الأحلاف العسكرية والاتحادات الاقتصادية والأسواق وشبكات الطاقة والمعايير القانونية ومناطق التأثير السياسي.

لكن الانتقال من هذه الفكرة إلى اعتبار المواجهة العسكرية أمرًا طبيعيًا أو حتميًا يحتاج إلى شيء من الحذر؛ لأن التاريخ لا يعمل بقوانين بيولوجية ثابتة. ومع ذلك، تبقى الفكرة الأساسية جديرة بالنقاش.. فبعض القوى تحاول توسيع نفوذها عندما تكون قوية، وقد تلجأ أحيانًا إلى المغامرة الخارجية عندما تشعر بأن موقعها يتراجع.

ومن هنا يأتي التصور القائل إن المواجهة قد تبدو مخرجًا في الحالتين، وتتحدد بالتقدم من أجل اكتساب مزيد من القوة، أو الهجوم لتجنب المزيد من الضعف.

غير أن هذا يقود مباشرة إلى السؤال الآخر: هل أوروبا الحالية قوية بما يكفي أصلًا لخوض حرب كبرى؟

الوجه الآخر للمسألة: أوروبا قد تكون أضعف من الحرب

إذا كان الحديث “المجال الحيوي” والتوسع شرقًا وإعادة التسلح يقدم حججًا لمن يتوقعون تصاعد المواجهة، فهناك قراءة معاكسة تقول إن أوروبا أصبحت أضعف من أن تتحمل حربًا كبرى مع روسيا.

والتاريخ يقدم تحذيرًا مهمًا في هذا المجال. فألمانيا في منتصف القرن الماضي بالغت في تقدير قدراتها عندما دخلت في مواجهة مع الاتحاد السوفياتي. أما أوروبا وألمانيا اليوم فتتحركان من موقع مختلف جذريًا عن الموقع الاقتصادي والصناعي والتكنولوجي الذي كان للقارة في النصف الأول من القرن العشرين.

وهذا التشكيك المشروع يقود إلى مقارنة أوروبا الحالية بأوروبا، وألمانيا بصورة أخص، في ثلاثينيات القرن العشرين. وتظهر في هذه المقارنة أربعة اختلافات أساسية، في الاقتصاد، والتكنولوجيا، والوزن، والحجم الجيوسياسي، والتحالفات.

الاقتصاد: تراجع الوزن الأوروبي

العامل الأول هو حجم الاقتصاد. فقد كانت حصة أوروبا من الاقتصاد العالمي في ثلاثينيات القرن العشرين تقارب 28 في المئة، بينما استقرت خلال السنوات العشر الأخيرة عند نحو 18 في المئة. وتشير التوقعات المستخدمة في هذه القراءة إلى احتمال انخفاضها إلى 15 في المئة تقريبًا بحلول الفترة 2030–2035.

وهذا يعني تراجع الإمكانات الاقتصادية النسبية للقارة، لكنه لا يكفي وحده للحكم على قدرتها العسكرية. فاليابان عشية الحرب العالمية الثانية لم تكن حصتها من الاقتصاد العالمي تتجاوز بضعة في المئة، ومع ذلك كان دورها في الحرب كبيرًا. لذلك لا يمكن تحويل حصة الناتج العالمي وحدها إلى مقياس مباشر للقوة العسكرية.

لكن المسألة تصبح مختلفة عندما يترافق تراجع الوزن الاقتصادي مع ضغوط الديون والطاقة والتنافس الصناعي، ومع عوامل أخرى تتعلق بالتكنولوجيا والموارد والقدرة على حشد المجتمع والاقتصاد لحرب طويلة.

التكنولوجيا: أين موقع أوروبا في السباق الجديد؟

العامل الثاني هو فقدان جانب من الريادة التكنولوجية. فأوروبا وألمانيا في منتصف القرن الماضي، وحتى مع بدء تراجع وزنهما الاقتصادي لمصلحة الولايات المتحدة، بقيتا من اللاعبين المركزيين في السباق العلمي والصناعي والتكنولوجي العالمي.

أما اليوم، فيصعب تصور أوروبا وهي تطلق بمفردها مشروعًا استراتيجيًا بحجم المشاريع العلمية والتكنولوجية الكبرى التي غيرت موازين القوى في القرن العشرين، كالمشروع النووي مثلًا.

وفي أيلول صدر تقرير للمستشار الخاص لرئيسة المفوضية الأوروبية جيم هاغيمان سنابه، تضمن إقرارًا بأن الولايات المتحدة والصين سبقتا أوروبا بفارق كبير في تطوير النماذج الأساسية للذكاء الاصطناعي.

ولا يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي وحده؛ فالتكنولوجيا الحديثة أصبحت جزءًا لا ينفصل عن القوة العسكرية. والقدرة على تطوير البرمجيات والذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة وأنظمة الاتصال والفضاء والطاقة والتصنيع المتقدم أصبحت مرتبطة مباشرة بالقدرة على خوض الحروب الحديثة والاستمرار فيها.

آسيا والجنوب العالمي وتغير مركز الثقل

العامل الثالث يتعلق بالوزن الجيوسياسي. فقد شهد العالم خلال العقود الأخيرة صعودًا متزايدًا لدول آسيا والجنوب العالمي بالتوازي مع ارتفاع حصتها من الاقتصاد العالمي واتساع إمكانات التنمية لديها وازدياد اهتمام نخبها بالمصالح الوطنية والاستقلال في صنع القرار.

وتحتاج دول كثيرة من هذه المجموعة الواسعة إلى التصنيع وإلى تعاون متكافئ مع الدول المتقدمة تكنولوجيًا. وتواجه أوروبا صعوبة في بناء نموذج علاقات يستجيب دائمًا لهذه التحولات، فيما تحاول روسيا تقديم نفسها في عدد من هذه المناطق بوصفها شريكًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا قادرًا على العمل من دون الشروط التي تربطها بعض الحكومات بالسياسات الغربية.

ومن هذه العلاقات تتكون عناصر مهمة من الوزن الجيوسياسي. ومع انتقال جزء متزايد من النشاط الاقتصادي والديموغرافي العالمي إلى آسيا والجنوب، لم تعد أوروبا المركز شبه المطلق للنظام الدولي الذي كانت عليه في حقب سابقة.

ومن سيحارب مع أوروبا؟

العامل الرابع هو الحلفاء. فأي حرب كبيرة لا تخوضها الاقتصادات والجيوش وحدها، بل تخوضها شبكات التحالف والتمويل والإمداد والطاقة والصناعة.

ومن الصعب تصور القوى التي يمكن أن تجد مصلحة مباشرة في الانخراط في حرب واسعة مع روسيا تكون نتائجها غير مضمونة وتحمل مخاطر عسكرية واقتصادية هائلة.

أما الولايات المتحدة، فتطرح حالتها سؤالًا أكثر تعقيدًا. فما مقدار استعداد واشنطن لتحمل كلفة حرب أوروبية ـ روسية مباشرة؟ وهل يكون زعزعة استقرار القارة الأوروبية مكسبًا استراتيجيًا يبرر المخاطر والتكاليف التي يمكن أن تنتج من مواجهة كهذه؟

أما بقية العالم، ولا سيما القوى الآسيوية ودول الجنوب العالمي، فمن الصعب افتراض وجود رغبة واسعة لديها في الدخول في حرب أوروبية كبرى، في وقت تسعى فيه غالبية هذه الدول إلى حماية مصالحها الاقتصادية والحفاظ على هامش للمناورة بين القوى الدولية المتنافسة.

الولايات المتحدة والموارد الأوروبية

هنا تكتسب بعض المواقف معناها الأوسع. فإذا كانت أوروبا تحتاج إلى موارد مالية وصناعية هائلة لإعادة بناء قوتها العسكرية، فإن هذه الموارد نفسها تدخل في شبكة المنافسة الاقتصادية والاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

فالعلاقة عبر الأطلسي ليست تحالفًا أمنيًا فقط؛ إنها أيضًا علاقة اقتصادية تتداخل فيها المصالح والتنافس. وإذا كانت واشنطن تعيد ترتيب أولوياتها في عالم أصبحت فيه الصين المنافس الاستراتيجي الأكبر، فإن قدرة أوروبا على تخصيص موارد ضخمة ومستقلة لحرب طويلة تصبح مسألة أكثر تعقيدًا.

وبهذا المعنى، قد تجد أوروبا نفسها أمام معضلة مزدوجة، فهي تريد زيادة استقلالها وقدرتها الدفاعية، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى الولايات المتحدة في مجالات الأمن والتكنولوجيا والطاقة والتسليح، فيما تحتاج واشنطن بدورها إلى الموارد والاستثمارات والأسواق الأوروبية ضمن منافستها العالمية الأوسع.

بين منطق التوسع وحدود القدرة

هنا تظهر المفارقة الأساسية في المشهد الأوروبي الحالي. فمن جهة، يمكن قراءة العقود التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي بوصفها مرحلة توسع للمجال السياسي والاقتصادي والعسكري الغربي باتجاه الشرق. ومن جهة أخرى، حدث هذا التوسع بالتزامن مع تحول بطيء ولكن عميق في الاقتصاد العالمي أدى إلى تراجع الوزن النسبي لأوروبا وصعود الولايات المتحدة ثم الصين وآسيا والجنوب العالمي.

أي أن المجال الأوروبي اتسع جغرافيًا وسياسيًا في الوقت الذي أخذ فيه الوزن النسبي لأوروبا في العالم يتراجع اقتصاديًا وديموغرافيًا وتكنولوجيًا.

وهذا التناقض قد يكون من أهم المفاتيح لفهم المرحلة المقبلة.

فازدياد الحديث عن روسيا، وارتفاع الإنفاق العسكري، وتوسيع الصناعات الدفاعية، وإعادة التفكير في الأمن الأوروبي، كلها لا تعني تلقائيًا أن القارة قادرة على خوض حرب كبرى. هناك فارق بين امتلاك الإرادة السياسية للمواجهة وبين امتلاك الموارد اللازمة لتحملها.

والحرب الحديثة لا تحتاج إلى الجيوش والأسلحة وحدها، بل إلى اقتصاد يستطيع تمويل سنوات من الاستنزاف، وصناعة قادرة على تعويض المعدات والذخائر، وطاقة مستقرة، وتكنولوجيا متقدمة، وسلاسل إمداد آمنة، ومجتمع قادر على تحمل الكلفة، وتحالفات لا تتفكك عندما ترتفع الخسائر.

أوروبا أمام تناقضها الأكبر

ربما تكمن المشكلة الأوروبية اليوم في هذا التناقض تحديدًا:د في اتساع الطموح الجيوسياسي في مقابل تراجع الوزن النسبي للأدوات التي يحتاج إليها تحقيق هذا الطموح.

فمنطق راتزل و«المجالات المتنامية» يقدم عدسة تاريخية يمكن من خلالها قراءة سلوك القوى الكبرى عندما تسعى إلى توسيع مناطق نفوذها. لكن التاريخ يقدم في الوقت نفسه درسًا معاكسًا، وأساس هذا التوسع الذي يتجاوز الموارد الفعلية للقوة قد يتحول من مصدر للقوة إلى سبب للاستنزاف.

لقد بالغت ألمانيا في القرن الماضي في تقدير قدرتها على مواجهة الاتحاد السوفياتي. واليوم تختلف أوروبا جذريًا عن أوروبا تلك المرحلة، فحصتها من الاقتصاد العالمي أقل، وريادتها التكنولوجية تواجه تحديات أميركية وصينية هائلة، واعتمادها الأمني على الولايات المتحدة ما زال كبيرًا، فيما أصبح العالم خارج أوروبا أكثر استقلالًا وقدرة على رفض الاصطفاف خلف القوى الغربية.

ومع ذلك، فإن الضعف النسبي لا يلغي إمكان المغامرة السياسية، مثلما أن إعادة التسلح لا تثبت حتمية الحرب. وبين الاحتمالين تبقى المسألة مفتوحة على تطورات يصعب اختزالها في قانون تاريخي واحد.

السؤال، إذن، ليس فقط ما إذا كانت أوروبا تتجه إلى مواجهة أشد مع روسيا، ولا ما إذا كان بالإمكان قراءة تمددها شرقًا من خلال نسخة معاصرة من مفهوم «المجال الحيوي». السؤال الأعمق هو: هل تستطيع أوروبا تحويل هذا الطموح الجيوسياسي إلى قوة مستقلة ومستدامة في عالم لم تعد هي مركزه؟

وهنا تكمن المفارقة التي تجمع المشهد كله. فأوروبا تعيد التسلح لأنها تشعر بأن بيئتها أصبحت أكثر خطرًا، لكنها تفعل ذلك في لحظة يتراجع فيها وزنها النسبي؛ لقد توسعت شرقًا بعد سقوط خصمها السوفياتي، ثم وجدت نفسها أمام روسيا في مواجهة مفتوحة، بينما أخذ مركز الاقتصاد والتكنولوجيا العالمي ينتقل بعيدًا عنها.

لذلك قد لا يكون السؤال الحاسم في السنوات المقبلة: هل تريد أوروبا الحرب مع روسيا؟ بل: إلى أي مدى تستطيع أوروبا تحمل مواجهة طويلة معها اقتصاديًا وعسكريًا وتكنولوجيًا وسياسيًا، ومن سيكون مستعدًا لتحمل هذه الكلفة معها؟

وبين إغراء توسيع المجال وحدود القوة اللازمة لحمايته، قد يتحدد مستقبل العلاقة بين أوروبا وروسيا، وربما جانب مهم من شكل النظام الدولي المقبل.

مقالات الكاتب

د. زياد  أسعد منصور

أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.