كتبت كثيرًا، على مرّ السنوات، عن «حروب الاختيار»، أي الحروب التي تخوضها الدول بإرادتها، من دون أن تكون مفروضة عليها بالضرورة. لكن ما نشهده اليوم في إيران يختلف إلى حدّ ما. فالجانبان المنخرطان في هذه الحرب الاختيارية، التي بادرت الولايات المتحدة إلى إطلاقها، لن يتمكنا من تجنّب اتخاذ خيارات صعبة لفترة أطول.
في الواقع، نجد أنفسنا أمام نوع من المأزق؛ يبدو أن الحصار المفروض على إيران يحقق نتائج جيدة نسبيًا، إذ يحرم طهران من إيرادات تحتاج إليها بشدة. وفي الوقت نفسه، تمرّ كميات أكبر من النفط والغاز عبر مضيق هرمز وخط أنابيب الشرق – الغرب السعودي. إلا أن الأسعار لا تزال مرتفعة، ويعود ذلك، إلى حدّ بعيد، إلى مخاوف الأسواق المبررة من عدم استقرار الوضع الراهن، ومن ضآلة هامش الأمان المتبقي في حال خرجت الأمور عن السيطرة.
تواجه كل من الولايات المتحدة وإيران لحظة حقيقة. وسيتعين على إيران أن تقرر ما إذا كانت ستصعّد عسكريًا أو تتجه إلى التفاوض، أي إلى تقديم تنازلات. فمن المفهوم أن ترغب طهران في إعادة العمل بمذكرة التفاهم المبرمة في حزيران، أو حتى تحسين شروطها، لكن من غير المرجح التوصل إلى مثل هذه النتيجة. أما إذا اختارت إيران التصعيد، فلا يمكن لطهران أن تفترض أنها ستخرج منه من دون أضرار.
بالنسبة للولايات المتحدة، فعليها التخلي عن الاعتقاد بأن ممارسة المزيد من الضغوط العسكرية والاقتصادية ستجبر إيران على الاستسلام. وبدلًا من ذلك، يتعين على إدارة ترامب أن تقرر ما إذا كانت ستتفاوض، أو ستجازف بإطلاق موجة جديدة من التصعيد العسكري الإيراني، قد تشمل ضربات بالطائرات المسيّرة والصواريخ تستهدف البنية التحتية للطاقة في الدول المجاورة لطهران، ما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز بمقدار خمسين دولارًا إضافيًا للبرميل، أو حتى مئة دولار.
في هذا السياق، ثمة فكرة جديرة بالطرح. إذ ينبغي للولايات المتحدة، بعد التشاور مع شركائها في المنطقة، أن توضح لإيران أنها ستردّ بصورة متناسبة على البنية التحتية الإيرانية للطاقة، إذا هاجمت إيران البنية التحتية للطاقة في الدول المجاورة ودمّرتها. فكما كانت الحال مع الحصار، لا يجوز السماح لإيران بفرض أكلاف على الآخرين، ثم توقّع ألّا تتكبد أكلافًا مماثلة.
ثانيًا، ينبغي للولايات المتحدة أن تعرض على إيران وقفًا جديدًا لإطلاق النار، يتضمن رفع الحصار، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وتقديم قدر من التخفيف للعقوبات، وعرض المساعدة في إعادة الإعمار، في مقابل موافقة إيران على ضمان المرور من دون عوائق عبر المضيق، ووقف الهجمات على خط أنابيب الشرق – الغرب.
ويمكن أيضًا إنشاء آلية جديدة تتقاسم إيران وأطراف أخرى، بموجبها، الرسوم المفروضة على استخدام المضيق. أما الملف النووي، فيُرجأ بحثه إلى وقت لاحق، فيما يتعين على السعوديين التوصل إلى تفاهم خاص بهم مع الحوثيين.
طبعًا، سيكون مثل هذا الاتفاق بعيدًا من المثالية، لكن الحروب غير المدروسة تترتب عليها عواقب، شأنها في ذلك شأن مذكرة التفاهم التي تفاوض بشأنها المبعوثان الأميركيان بطريقة سيئة. ومن شأن العودة إلى تلك المذكرة أن تترك الولايات المتحدة والمنطقة في وضع أسوأ بكثير من الوضع الذي كان قائمًا قبل الحرب، لكن ليس واضحًا على الإطلاق أن واشنطن باتت، في هذه المرحلة، في موقع يسمح لها بالإصرار على اتفاق أفضل منها – أي مذكرة التفاهم – بصورة يمكن إثباتها بوضوح.
هنا، بما أننا نتناول موضوع الشرق الأوسط، فقد سحبت الولايات المتحدة آخر قواتها العسكرية من العراق، للمرة الثانية. وكما حدث بعد انسحاب عام 2011، وكذلك في أعقاب حرب عام 2003 التي قامت على حسابات خاطئة، ستكون إيران المستفيد الرئيس.
فالميليشيات التي تدعمها طهران، بما فيها الميليشيا التي عطّلت أخيرًا خط أنابيب الشرق – الغرب الذي تستخدمه المملكة العربية السعودية، سيتاح لها مجال واسع لإثارة المشكلات، ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة بأسرها.
بينما أتفهم الحجج الداعية إلى إخراج القوات الأميركية من العراق، إلا أن توقيت الانسحاب يكاد يكون أسوأ ما يكون؛ إذ إنه سيسهم في ترسيخ الانطباع بأن إيران آخذة في البروز بوصفها القوة المهيمنة في المنطقة.
ترجمة بتصرّف
بقلم / ريتشارد هاس – الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
