جنوب لبنان بعد اليونيفيل: من سيملأ الفراغ؟

يقترب لبنان من لحظة استراتيجية مهمة، مع اقتراب موعد انتهاء مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» في 31 كانون الأول 2026، تمهيداً لبدء انسحابها المنظّم خلال عام 2027. ولا يهدف القرار الدولي إلى ترك أزمة أمنية خلفه، بل يسعى إلى نقل المسؤولية الأمنية تدريجياً إلى الدولة اللبنانية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني. غير أن التحدي الحقيقي يتجاوز مجرد تحديد البديل، ليطرح تساؤلاً جوهرياً حول مدى جاهزية المؤسسات اللبنانية للنهوض بجميع المهمات المعقدة التي كانت تضطلع بها القوة الدولية، بدءاً من الانتشار والمراقبة والتنسيق مع مختلف الأطراف، وصولاً إلى تأمين المناطق الحساسة وحماية المدنيين، ولا سيما في ظل التعقيدات الميدانية الراهنة واستمرار السيطرة على بعض النقاط الحدودية أو التضييق عليها.

وفي هذا السياق، تطرح باريس، بالتنسيق مع أطراف أوروبية وعربية، مساراً يبدأ بإنشاء حضور دولي أو أوروبي مرن، لا يحل محل اليونيفيل وفق نموذجها العسكري المباشر، بل يعمل بوصفه قوة دعم وإسناد للجيش اللبناني في مجالات التدريب والتجهيز وتبادل المعلومات والمواكبة الميدانية. وهو خيار شُرع بالفعل في مناقشته، من خلال طرح فكرة إنشاء بعثات أوروبية أو بعثات متعددة الجنسيات.

وبناءً على هذه المعطيات، تتبلور عدة سيناريوهات أساسية، أهمها:

  • السيناريو الأول: وهو الأكثر واقعية، ويقوم على نموذج «توزيع الأدوار»، بحيث يتولى الجيش اللبناني ضبط الأمن على الأرض، وتتولى الأمم المتحدة مهمات المراقبة والتوثيق، فيما تتكفل الدول الأوروبية والعربية بالتمويل والتدريب، شريطة بلورة تفاهم سياسي واضح يحدد قواعد الانتشار، وصلاحيات التحرك، والآليات الحاسمة للتعامل مع أي خرق أمني.
  • السيناريو الثاني: وينطوي على انسحاب كلي لليونيفيل من دون إيجاد حلول دولية بديلة، ما يضع كامل ثقل المسؤولية على كاهل الجيش اللبناني. وعلى الرغم من أن هذا التطور قد يمنح الدولة فرصة تاريخية لتكريس سيادتها وبسط نفوذها، فإنه يحمل في طياته مخاطر جسيمة إذا لم ترافقه أغطية سياسية وموارد مالية ولوجستية كافية.
  • السيناريو الثالث: وهو الأشد خطورة، ويرتكز على احتمال تصاعد التوتر على الحدود، ما يجعل عملية الانسحاب مسألة معقدة قد تُجبر المجتمع الدولي على إعادة النظر في توقيتها وفي الآلية الانتقالية المعتمدة، خصوصاً أن الأمم المتحدة شددت على أن أي تدهور أمني أو تجدد للأعمال العدائية سيؤثران مباشرة في الجدول الزمني للانسحاب وتفاصيله الميدانية.

وبذلك، لن تكون المعركة الأساسية في عام 2027 معركةً على الجهة التي سترث قواعد اليونيفيل ومقراتها، بل على من يمتلك القدرة الفعلية على فرض الاستقرار ومنع العودة إلى مربع النزاع والتوتر. فالحل المستدام يتطلب تمكين الجيش اللبناني، وتأمين تمويل طويل الأمد له، وربط أي دعم دولي بمسار سياسي يضمن احترام السيادة اللبنانية وتنفيذ الالتزامات المرتبطة بالقرار 1701. ولن يكون خروج اليونيفيل نهايةً للدور الدولي في لبنان، بقدر ما سيكون إعادة صياغة لقواعد هذا الدور وآلياته.

فالجنوب، في عام 2027، لن يقبل القسمة على اثنين: إما أن تحضر الدولة بكامل هيبتها وسلطتها، وإما أن تحضر الفوضى بكل ثقلها ورسائلها المفتوحة. وستبقى قدرة الدولة على الإمساك بالأرض العامل الحاسم في رسم معالم المرحلة المقبلة.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.