فيما نقترب من الذكرى السنوية الثالثة للهجمات التي وقعت في إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أجد نفسي أتأمل أيضًا في ذكرى عميقة وقاتمة أخرى أحيتها الولايات المتحدة مؤخرًا، هي مرور خمسة وعشرين عامًا على أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول). تلك الذكرى أتاحت فرصة للتفكير في ما آل إليه حالنا وحال العالم، وفي الدور الذي اضطلعت به الولايات المتحدة في العالم، خلال العقدين والنصف اللذين أعقبا تلك الأحداث. وينطبق الأمر نفسه على الذكرى التي تحل بعد أيام.
أطلقت الحكومة الإسرائيلية، مدفوعة بغضب رأت أنه محق حيال وحشية الهجمات، حربًا، أو بالأحرى سلسلة من الحروب، أعادت تشكيل الشرق الأوسط خلال السنوات الثلاث الماضية. أما ما إذا كانت المنطقة، بصورتها الجديدة، ستصبح في نهاية المطاف أكثر أمنًا وملاءمة للمصالح الإسرائيلية، فلا يزال سؤالًا مفتوحًا.
لقد حوّلت سنوات الحرب والصراع الثلاث في الشرق الأوسط المنطقة من فضاء يعاني عدم استقرار مستترًا إلى منطقة بات عدم استقرارها مكشوفًا تمامًا. فتحولت الصراعات بالوكالة إلى مواجهات مباشرة، وحلّت الضربات الجوية المتصاعدة والاجتياحات البرية محل التجسس والعمل الاستخباراتي المحترف. وبعد سنوات، بل عقود في بعض الحالات، من تحمّل صراعات منخفضة الحدة، تخللتها اندلاعات عرضية لأعمال عنف أكثر تدميرًا ــ كما حدث في لبنان عام 2006 أو في غزة عام 2014 ــ قرّرت إسرائيل أن أحداث السابع من أكتوبر وفّرت لها إطارًا يجيز التعامل مع خصومها الإقليميين بصورة أكثر شمولًا واستدامة.
في غزة، انهار في السابع من أكتوبر 2023 الإيقاع المتقطع، الذي استمر سنوات، لإطلاق «حماس» الصواريخ على نحو متواتر، وما كان يعقبه من جولات انتقامية. وردًا على ذلك، أطلقت إسرائيل، سعيًا إلى استعادة الرهائن وتحقيق العدالة والقضاء الكامل على «حماس»، أقلّه بوصفها كيانًا عسكريًا، صراعًا استنزافيًا مستعصيًا على الحل.
وبعد سنوات من انعدام الأمن المقلق الذي عاشه المواطنون في شمال إسرائيل، استغلت إسرائيل قرار «حزب الله» تصعيد هجماته تضامنًا مع «حماس» بوصفه فرصة للدخول إلى لبنان، وتقويض قدرات الحزب، ووضع حد نهائي لقبضته الخانقة على البلاد. ومن خلال ذلك، منحت إسرائيل لبنان فرصة لاستعادة قدر من السيادة والحكم الذاتي.
بالطبع، كانت هناك «حرب الأيام الاثني عشر» نفسها: أي الجهد الذي بذلته إسرائيل والولايات المتحدة لتدمير القدرات النووية الإيرانية، والذي أعقبته «المغامرة» الأميركية الأحدث في المنطقة، بدعم من الحكومة الإسرائيلية، إن لم يكن بتشجيع منها.
فكيف تبدو الحصيلة؟ قبل السابع من أكتوبر، كانت غزة خاضعة لحكم «حماس»، التي احتفظت ببنية تحتية واسعة، وكانت تطلق الصواريخ بانتظام على إسرائيل. وكان لبنان خاضعًا، إلى حد بعيد، لسيطرة «حزب الله»، الذي كان يمتلك 120 ألف صاروخ دقيق قادر على استهداف البنية التحتية الحيوية في أنحاء إسرائيل، وكان يطلق الصواريخ بصورة منتظمة على بلداتها الشمالية. بدورها، كانت سوريا موطنًا لقواعد روسية وانتشار قوات تابعة للحرس الثوري الإسلامي، فضلًا عن كونها حلقة بالغة الأهمية في سلسلة الإمداد الإيرانية إلى «حزب الله». كما كانت إيران تمتلك بنية تحتية نووية داخلية ووكلاء في غزة والعراق ولبنان وسوريا واليمن. وقد تغيّر كل ذلك تقريبًا.
فمن جهة، تعرضت القدرات العسكرية لأعداء إسرائيل، وتحديدًا إيران ووكلائها، لتقويض خطير. وأصبحت «حماس» و«حزب الله» مجرد ظل لما كانا عليه في السابق. كما يقبع البرنامج النووي الإيراني تحت الأنقاض، فيما ترقد بحريته، كما يحلو للرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يقول، في قاع المحيط. وفي غضون ذلك، باتت لسوريا حكومة جديدة تعمل بصورة وثيقة مع الولايات المتحدة، وتسعى إلى التوصل إلى نوع من التفاهم أو صيغة للتعايش مع إسرائيل. ومن ناحيتها، حافظت إسرائيل على علاقاتها مع جميع دول «اتفاقات أبراهام»، وحسّنت علاقاتها اليومية مع بعض الدول الأخرى في المنطقة.
من جهة أخرى، فإن خسارة أرواح المدنيين الأبرياء في غزة، والمزيد من تآكل فرص التوصل إلى أي خطة سلام طويلة الأمد، وتقويض مكانة إسرائيل على الساحة الدولية، بما في ذلك، بصورة متزايدة، داخل النظام السياسي الأميركي، كلها عوامل صبّت في مصلحة خصوم إسرائيل وأولئك الذين يسعون إلى عزلها.
إضافة إلى ذلك، أثبتت إيران الحقيقة القاسية للحرب غير المتكافئة. فربما تكون إسرائيل والولايات المتحدة قد نجحتا في تحقيق أهدافهما العسكرية الرامية إلى تقويض قدرة إيران على بسط نفوذها وإظهار قوتها في أنحاء المنطقة، لكن إيران ووكلاءها أثبتوا أنهم لا يحتاجون إلى قدرات كبيرة لإحداث الفوضى، ومن ثم اكتساب أوراق ضغط على الاقتصاد العالمي.
ولو كان بوسع إسرائيل أن تستخلص درسًا من الحروب الأميركية السابقة في الشرق الأوسط، التي امتدت على مدى عقدين ووقعت على مقربة منها، لكان ينبغي لها أن تدرك أن إحباط قوة عظمى ومنعها من تحقيق أهدافها لا يتطلبان بالضرورة إلحاق هزيمة عسكرية مباشرة بها، بل يمكن أن يتحققا من خلال استنزاف رصيدها من حسن النية الدولية، وتبديد مزاياها الجيوسياسية والاستراتيجية في المنطقة وفي أنحاء العالم. فالحروب من هذا النوع لا تنتهي عادة في «فرساي»، بل بالإرهاق واليأس. غير أن الشعب الإسرائيلي، وكذلك سكان الأراضي الفلسطينية، لا يستطيعون تحمّل مثل هذه النتيجة.
وبينما أستعيد الأحداث التي شهدها الشرق الأوسط منذ السابع من أكتوبر، وبعدما تأملت قبل وقت قصير في حروب الولايات المتحدة نفسها في المنطقة، لا يسعني إلا أن أشعر بأن كل ذلك يبدو مألوفًا بصورة تثير القلق. فقد تعرضت دولة قوية – أي إسرائيل – لهجوم وحشي وهمجي استهدف وقتل أكثر من ألف مدني. وسعيًا إلى تحقيق العدالة عن تلك الهجمات وضمان سلامة شعبها، دخلت تلك الدولة في حرب ضد التنظيم – أي «حماس» – والشبكة التي تدعمه. لكن بعد وقت ليس بطويل، أدى مزيج من المعلومات الاستخباراتية الغامضة، وضباب الحرب، والتوسع التدريجي في نطاق المهمة، إلى جرّ الدولة نحو مستنقع من الصراع، ترتبت عليه تداعيات واسعة بالنسبة إلى أمنها وسياستها ومكانتها في العالم.
قبل أيام أيضًا، غادر آخر الجنود الأميركيين العراق. لذا، أمام إسرائيل فرصة للتعلم من تجارب الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وليس عليها الانتظار خمسة وعشرين عامًا للقيام بذلك. فالذكريات السنوية مناسبات للتطلع إلى الأمام، وليست مجرد فرص للنظر إلى الخلف.
وانطلاقًا من هذه الروح، لا شك في أن إسرائيل والولايات المتحدة بلغتا نقطة تستدعي بدء حوار جدي بشأن الشكل الذي ينبغي أن يكون عليه مستقبل غزة على المدى الطويل، وما الذي يمكن أن تحققه عملية بناء الدولة، والمزالق التي يتعين عليها تفاديها. وينبغي لتجربتين صعبتين في إصلاح دولتين كانتا خاضعتين في السابق لحكم ديكتاتوريين وأمراء حرب أن تجعلا من الولايات المتحدة شريكًا قيّمًا للإسرائيليين، في أثناء توليهم مهمة إعادة إعمار غزة.
قد يكون «مجلس السلام»، الذي اقترحه الرئيس ترامب وأقرّه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، غير مثالي في جوانب كثيرة، لكنه قد يوفر، في ظل غياب بدائل موثوقة، فرصة نادرة لدفع هذا العمل قدمًا. فلا الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية، ولا الإسرائيليون في تل أبيب والقدس، يستطيعون تحمّل خمسة وعشرين عامًا أخرى من هذا الواقع. والحال أنه من خلال التعلم من تجارب الأصدقاء قبل أن تتحول الصراعات إلى مستنقعات، تمتلك إسرائيل فرصة لتجنب المصير نفسه.
ترجمة بتصرّف
بقلم / مايكل فرومان – رئيس مجلس العلاقات الخارجية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
