في لبنان، يبدو أن بعض الوزارات والإدارات والأجهزة الرقابية قد اكتشفت طريقة جديدة لخدمة المواطن: وضع أرقام هواتف على المواقع والصفحات الرسمية، ثم ترك المواطن يتصل… وينتظر… ولا يجد من يجيب! جرّب أن تتصل لمتابعة معاملة، أو للاستفسار عن المرحلة التي بلغتها، أو حتى لمعرفة الجهة التي يجب أن تتوجه إليها.
خذ، على سبيل المثال، وزارة الصحة أو التفتيش المركزي؛ فقد يحاول المواطن الاتصال للاستفسار أو متابعة ملف، فيجد نفسه أمام هاتف يرنّ من دون أن يحصل على أي جواب.
حسنًا، ماذا يفعل المواطن؟ هل المطلوب منه أن يركب سيارته، ويتكبّد مصاريف البنزين أو النقل المشترك، ويتحمّل زحمة السير، ويضيّع ساعات من وقته، علمًا بأن الإدارة المعنية قد تكون في منطقة بعيدة عن منزله، فقط ليصل إلى الموظف ويسأله سؤالًا بسيطًا: «وين صارت معاملتي؟»
وهنا تكمن المصيبة الحقيقية. فالمواطن لا يطلب واسطة، ولا يطلب معاملة تفضيلية، ولا يطالب بشيء خارج القانون. هو يريد فقط معلومة عن معاملته، ويفترض أن تكون مؤسسات الدولة قادرة على التواصل معه وإرشاده إلى مسارها.
فما معنى أن يكون هناك رقم هاتف رسمي إذا كان المواطن يحاول الاتصال ولا يحصل على جواب؟ وما معنى أن تُرفع شعارات التحول الرقمي والشفافية وخدمة المواطن، بينما لا يستطيع المواطن الوصول إلى موظف عبر الهاتف ليسأله عن معاملة؟
الأرقام ليست زينة على المواقع الرسمية. والهاتف وسيلة من وسائل التواصل بين الإدارة والمواطن، خصوصًا عندما تكون المراجعة الحضورية مكلفة ماديًا وزمنيًا. ومن غير المقبول أن يتحول المواطن إلى ساعي بريد بين الإدارات، يحمل أوراقه ويدور من مكتب إلى آخر، فقط لأنه لم يتمكن من الحصول على جواب عبر الهاتف.
والأهم من ذلك أن المواطن، عندما يحاول الاتصال بجهاز رقابي مثل التفتيش المركزي، قد يكون هدفه تقديم شكوى أو الاستفسار عن مراجعة تتعلق بعمل الإدارة نفسها. فكيف يشعر المواطن بأن هناك من يسمعه ويراقب أداء المؤسسات، إذا كان الوصول إلى الجهة المعنية متعذرًا؟
المشكلة ليست في موظف لم يردّ على اتصال واحد. المشكلة تبدأ عندما تتحول عبارة «ما حدا بيرد» إلى ثقافة إدارية.
دولة تضع أرقامًا بلا إجابة، ومواقع إلكترونية بلا تحديث، ووسائل تواصل بلا متابعة، ثم تطلب من المواطن أن يكون صبورًا!
لكن للصبر حدود. والمواطن الذي يدفع من جيبه للوصول إلى الإدارة ليس هو المشكلة. المشكلة تكمن في إدارة تجعله يدفع المال والوقت والجهد، ليحصل على جواب كان يمكن أن يتلقاه في مكالمة هاتفية لا تستغرق أكثر من دقيقة واحدة.
لذلك، بدلًا من أن نسأل المواطن لماذا لا يتابع معاملته، ربما يجب أن نسأل الإدارات: لماذا لا يجد المواطن من يجيبه عندما يتصل؟ ولماذا تُنشر أرقام هواتف رسمية، إذا لم تكن هناك آلية تضمن الرد عليها؟ ومن المسؤول عن مراقبة هذه الخدمة؟ وهل يوجد سجل للمكالمات والشكاوى والاستفسارات؟ وهل تجري محاسبة الإدارة أو المسؤول عندما تصبح أرقام التواصل الرسمية مجرد أرقام معلّقة على الشاشة؟
في الدول التي تحترم مواطنيها، الهاتف ليس منّة، والرد على المواطن ليس خدمة إضافية. إنه جزء من واجب الإدارة تجاه الناس.
«شو هالدولة هيدي»؟ أرقام الدولة موجودة… أمّا الدولة، فعندما تتصل بها، فلا تجيب.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
