بعد كل هذه القطع والأسئلة، ربما حان الوقت لاستراحة قصيرة. لا سؤال عن أصل الإنسان، ولا عن «الماتريكس»، ولا عن الحياة خارج الأرض…
هذه المرة، لنجرب شيئًا عمليًا. إذا كان الوعي لا يكتفي بمشاهدة الواقع، بل يشارك في تشكيل تجربتنا له، فكيف يمكننا أن ننتقل من واقع لا نريده إلى واقع نختاره؟
في الحوارات التايجيتية، تظهر فكرة بسيطة في شكلها، لكنها تحتاج إلى ممارسة: لا تبدأ بمحاولة تغيير الواقع من الخارج. ابدأ بتغيير علاقتك به من الداخل.
وهذا لا يعني الجلوس وانتظار «المعجزة»، بل يعني أن تغيّر حالتك الداخلية، ثم تتحرك في العالم المادي انطلاقًا من هذه الحالة الجديدة.
توقّف لحظة…
عندما نعيش مشكلة، نميل إلى التفاعل معها باستمرار. نراها، ونقلق منها، ونتحدث عنها، ونعيد تحليلها، ونتخيّل أسوأ نتائجها. وبذلك، لا نعيش المشكلة مرة واحدة… بل نعيد عيشها في داخلنا عشرات المرات.
لذلك، قبل أن تسأل: «كيف أغيّر هذا الواقع؟»، اسأل: «ما الذي أفعله باستمرار ويُبقيني فيه؟»
راقب فقط من دون لوم ومن دون محاولة فورية لإصلاح كل شيء.
اشعر… ولكن لا تغذِّ الشعور
هنا يكمن فرق مهم. أن تشعر بالخوف لا يعني أن تستسلم له. وأن تشعر بالحزن لا يعني أن تعيد القصة نفسها مئة مرة.
إذا ظهر الخوف، فلاحظه في جسدك. تنفّس. اسمح له بأن يكون موجودًا.
لكن لا تضف إليه: «ماذا لو حدث الأسوأ؟»، «لماذا يحدث هذا لي؟»، «لن أخرج من هذه المشكلة أبدًا».
الشعور شيء، والقصة التي نبنيها حوله شيء آخر.
اشعر بما هو موجود… ثم اتركه يهدأ من دون أن تمنحه المزيد من الطاقة.
ادخل إلى نقطة الصفر
بعد أن يهدأ التفاعل، ولو قليلًا، تأتي لحظة مختلفة.
لا تحارب الواقع ولا تتشبث به.
لا تقل: «يجب أن يتغير الآن!». ولا تقل: «لن يتغير أبدًا!». قل فقط: «هذا هو واقعي الآن… لكنه ليس بالضرورة واقعي القادم».
هذه هي نقطة الصفر. ولا تحتاج إلى الوصول إليها بصورة مثالية خلال خمس دقائق. فأحيانًا تكون مجرد لحظة هدوء. ومع التكرار، تصبح هذه اللحظة أسهل وأطول.
الآن… اختر
بعد أن تتوقف عن منح الواقع القديم كل هذه الطاقة، اسأل نفسك: «ما الواقع الذي أريد أن أعيشه؟».
لا تبدأ بالتفاصيل الكثيرة. اختر حالة واحدة: وفرة مالية، حرية، صحة، حب، استقرار، أو أي شيء آخر يحمل معنى حقيقيًا بالنسبة إليك. ثم تخيّل مشهدًا صغيرًا من حياتك بعدما أصبح هذا الشيء جزءًا طبيعيًا منها.
لا تتعامل معه بوصفه حلمًا بعيدًا، بل بوصفه شيئًا تشعر بأنه ينتمي إليك. لا حاجة إلى اللهفة. ولا إلى محاولة إجبار نفسك على تصديق شيء لا تشعر به.
فقط اسمح لنفسك بأن تلامس هذا الإحساس: «هكذا يمكن أن تكون حياتي».
ثم تحرّك
وهنا يأتي الجزء الذي لا ينبغي أن ننساه. التجلّي ليس بديلًا من الفعل.
إذا كنت تريد واقعًا ماليًا مختلفًا، فابحث عن فرصة، وتعلّم مهارة، وأرسل عرضًا، وابدأ مشروعًا، وتفاوض، أو اتخذ الخطوة التي كنت تؤجلها.
وإذا كنت تريد علاقة مختلفة، فغيّر طريقة حضورك فيها.
وإذا كنت تريد صحة أفضل، فغيّر ما تستطيع تغييره في نومك وغذائك وحركتك.
الحالة الجديدة لا تلغي العالم المادي، بل تغيّر الطريقة التي تتحرك بها داخله.
الفكرة ليست: أتخيّل… ثم أنتظر. بل: أختار… ثم أتحرك.
وقد تكون الخطوة صغيرة جدًا لكنها حقيقية.
لا تطارد النتيجة
بعد ذلك، تأتي أصعب خطوة: اتركها.
ليس بمعنى أن تنساها، بل ألّا تجعل حياتك مراقبة مستمرة للنتيجة: هل حدث شيء؟ هل ظهرت علامة؟ لماذا لم يحدث بعد؟ متى سيصل؟
لأنك عندما تحوّل كل دقيقة إلى اختبار، تعود إلى حالة الانتظار والتعلّق نفسها.
اخترت. تحركت. والآن، عش حياتك.
وإذا عاد الشك؟
سيعود. وهذا طبيعي. قد تستيقظ في اليوم التالي، وتجد نفسك تفكر: «ربما لن يتغير شيء».
لا تحارب الفكرة ولا تعتبر ظهورها فشلًا. فقط لاحظها: «هذا شك… وليس بالضرورة حقيقة».
خذ نفسًا. عُد إلى الحياد. ثم تذكّر الحالة التي اخترتها… وواصل يومك.
قد تحتاج إلى فعل ذلك مرة، أو عشر مرات، أو مئة مرة. المهم ألّا تجعل عودة الشعور القديم سببًا للعودة الكاملة إلى الواقع القديم.
تمرين الخمس دقائق
جرّبه اليوم.
- الدقيقة الأولى: ما الشيء الذي يزعجني الآن؟ شاهده من دون مقاومة.
- الدقيقة الثانية: ماذا أشعر في جسدي؟ اسمح للشعور بأن يكون موجودًا من دون أن تبني حوله قصة.
- الدقيقة الثالثة: اترك التفاعل يهدأ. لا أرفض ما هو موجود، ولا أتشبث به.
- الدقيقة الرابعة: تخيّل مشهدًا صغيرًا من الواقع الذي تختاره.
- الدقيقة الخامسة: اسأل: «ما الخطوة الصغيرة التي أستطيع القيام بها اليوم انطلاقًا من هذا الواقع الجديد؟» ثم افتح عينيك… وقم بها.
ربما هنا يكمن الفرق بين التمنّي والتجلّي، وفق هذا التصور. التمنّي يقول: «أتمنى أن تتغير حياتي». أما الاختيار فيقول: «أبدأ من الآن بأن أكون الشخص الذي يعيش الحياة التي اخترتها».
ثم يأتي الفعل. ثم يأتي الصبر. ثم يأتي الشيء الذي لا نستطيع التحكم فيه بالكامل: كيف ومتى ستلتقي اختياراتنا بالاحتمالات التي يفتحها الواقع؟
وربما لهذا السبب لا يكون السؤال الأهم: «هل أستطيع أن أخلق أي شيء أريده؟» بل: «ماذا يحدث عندما أتوقف عن تغذية واقعي القديم… وأبدأ العيش انطلاقًا من واقع اخترته بنفسي؟»
ربما… هذه هي التجربة التي تستحق أن نخوضها.
كل الامتنان لهذا الوجود…

شكري يعيش
عالم جيولوجيا وأستاذ جامعي تونسي، متخصص في علوم الأرض والبيئة وله خبرة طويلة في البحث العلمي والتدريس، بالإضافة إلى نشاطه السياسي كنائب سابق في البرلمان التونسي.
